طريق الهجرتين

الجاهلة، وأنَّهم هم جُناتها وهم الذين اجترحوها، ولا يحملونها على القضاءِ والقدر، مع علمهم بشمول قضائه وقدره لما في العالم من خيرٍ وشرٍّ وطاعة وعصيان وكفر وإيمان؛ وأنَّ مشيئة اللَّه سبحانه محيطةٌ بذلك كإحاطة علمه به، وأنَّهُ لو شاءَ أَلَّا يُعصى لما عُصِيَ، وأنَّه سبحانه١ أعزّ وأجلّ من أن يعصى قسرًا، والعباد أقل من ذلك وأهون؛ وأنَّه ما شاء اللَّه كان، وكلُّ كائن فهو بمشيئته، وما لم يشأ لم يكن، وما٢ لم يكن فلعدم مشيئته، فله الخلق والأمر، وله الملك والحمد، وله القدرة التامة والحكمة البالغة٣.

فهذه الطائفة هم٤ أهل البصر التام، والأُولى لهم العمى المطلق، والثانية والثالثة عُورٌ٥، كلُّ طائفة منهما لهم٦ عين عين٧، ومع هذا فسرى العمى من العين العمياء إلى العين الصحيحة فأعماها أو كاد٨. ولا يستنكِر٩ تكرارَ هذه الكلمات من يعلم شدَّة الحاجة إليها

  1. (١) "ف": "واللَّه سبحانه"، خلافًا للأصل.
  2. (٢) "ط": "من"، وأصلح في القطرية.
  3. (٣) "ط": "الحكمة الشاملة البالغة". وقد اضطربت نسخة "ك" لدخول حاشية (كانت في أصلها) في النص.
  4. (٤) وقع في الأصل: "هل" سهوًا، فترك ناسخ "ف" مكانها بياضًا. والصواب ما أثبتنا من "ك، ط".
  5. (٥) "عور" سقط من "ك، ط"، وهو جمع أعوَر وعوراء.
  6. (٦) "ط": "له"، خطأ.
  7. (٧) "ط": "عمياء". ورسم الكلمة في الأصل يشبه "عيره" أو "عائرة". وأثبت ناسخ "ف": "عميى"، ولا يقصد تأنيث أعمى، فإنَّ رسمها المعهود في الأصل: "عميا". والمثبت من "ن، ك" مع شك في صحته.
  8. (٨) "أو كاد" ساقط من "ط".
  9. (٩) "ك، ط": "يستكثر"، تصحيف.
238

وضرورة النفوس إليها، فلو تكررت ما تكررت فالحاجة إليها في محل الضرورة، واللَّه المستعان.

فصل

ويجمع هذين الأصلين العظيمين أصلٌ ثالثٌ هو عقد نظامهما وجامع شملهما، وبتحقيقه وإثباته١ على وجهه يتم بناءُ هذين الأصلين، وهو: إثبات الحمد كلُّه للَّه رب العالمين. فإنَّه المحمود على كل٢ ما خلقه، وأمر به، ونهى عنه. فهو المحمود على طاعات العباد ومعاصيهم، وايمانهم وكفرهم. وهو المحمود على خلق الأبرار والفجار، والملائكة والشياطين، وعلى خلق الرسل وأعدائهم. وهو المحمود على عدله في أعدائه، كما هو المحمود على فضله وإنعامه على أوليائه.

فكل ذرّة من ذرَّات الكون شاهدة بحمده، ولهذا سبَّح٣ بحمده السماوات السبع والأرض ومن فيهنَّ: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء/ ١٤٤]. وكان من٤ قول النبيّ ﷺ عند الاعتدال من الركوع: "ربَّنا ولك الحمد، مِلْءَ السماوات٥ وملءَ الأرضِ، وملءَ ما بينهما، وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد"٦. فله سبحانه الحمد حمدًا يملأ المخلوقات والفضاءَ الَّذي بين الأرض والسماوات٧، ويملأ ما يقدَّر بعد ذلك ممَّا

  1. (١) "ف": "إبانته"، تصحيف.
  2. (٢) "كل" ساقط من "ك، ط".
  3. (٣) "ن": "يسبح".
  4. (٤) "ك، ط": "في".
  5. (٥) "ك، ط": "السماء".
  6. (٦) أخرجه مسلم في الصلاة (٤٧٦، ٤٧٧، ٤٧٨) عن ابن أبي أوفى وغيره.
  7. (٧) "ك، ط": "السماوات والأرض".
239

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي