وضرورة النفوس إليها، فلو تكررت ما تكررت فالحاجة إليها في محل الضرورة، واللَّه المستعان.
فصل
ويجمع هذين الأصلين العظيمين أصلٌ ثالثٌ هو عقد نظامهما وجامع شملهما، وبتحقيقه وإثباته١ على وجهه يتم بناءُ هذين الأصلين، وهو: إثبات الحمد كلُّه للَّه رب العالمين. فإنَّه المحمود على كل٢ ما خلقه، وأمر به، ونهى عنه. فهو المحمود على طاعات العباد ومعاصيهم، وايمانهم وكفرهم. وهو المحمود على خلق الأبرار والفجار، والملائكة والشياطين، وعلى خلق الرسل وأعدائهم. وهو المحمود على عدله في أعدائه، كما هو المحمود على فضله وإنعامه على أوليائه.
فكل ذرّة من ذرَّات الكون شاهدة بحمده، ولهذا سبَّح٣ بحمده السماوات السبع والأرض ومن فيهنَّ: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾[الإسراء/ ١٤٤]. وكان من٤ قول النبيّ ﷺ عند الاعتدال من الركوع: "ربَّنا ولك الحمد، مِلْءَ السماوات٥ وملءَ الأرضِ، وملءَ ما بينهما، وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد"٦. فله سبحانه الحمد حمدًا يملأ المخلوقات والفضاءَ الَّذي بين الأرض والسماوات٧، ويملأ ما يقدَّر بعد ذلك ممَّا
(١) "ف": "إبانته"، تصحيف.
(٢) "كل" ساقط من "ك، ط".
(٣) "ن": "يسبح".
(٤) "ك، ط": "في".
(٥) "ك، ط": "السماء".
(٦) أخرجه مسلم في الصلاة (٤٧٦، ٤٧٧، ٤٧٨) عن ابن أبي أوفى وغيره.
(٧) "ك، ط": "السماوات والأرض".
يشاء اللَّه أن يملأ بحمده.
وذاك يحتمل أمرين: أحدهما أن يملأ ما يخلقه اللَّه بعد السماوات والأرض، والمعنى: لك الحمد١ ملء ما خلقتَه وملء ما تخلقه بعدَ ذلك. الثاني: أن يكون المعنى: ملء ما شئتَ من شيء٢ يملؤه حمدك، أي يقدَّر مملوءًا بحمدك، وإن لم يكن موجودًا.
لكن قد٣ يقال: المعنى الأوَّل أقوى، لأنَّ قوله: "ما شئتَ من شيءٍ بعد" يقتضي أنَّه شيء يشاؤه، وما شاءَ كان، فالمشيئة٤ متعلقة بعينه لا بمجرد ملء الحمد له، فتأملْه. لكنَّه إذا شاءَ كونَه فله الحمد ملؤه، فالمشيئة راجعة إلى المملوء بالحمد، فلا بدَّ أن يكون شيئًا موجودًا يملؤه حمدُه.
وأيضًا فإنَّ قوله: "من شيء بعد" يقتضي أنَّه شيء يشاؤه سبحانه بعد هذه المخلوقات، كما يخلقه بعد ذلك من مخلوقاته من القيامة وما بعدها. ولو أريد تقديرُ خلقه لقيل: "وملء ما شئت من شيء مع ذلك"، لأنَّ المقدَّر يكون مع المحقَّق٥.
وأيضًا. فإنَّه لم يقل: "ملء ما شئت أن يملأه الحمد". بل قال: "ما
(١) "ك، ط": "أنَّ الحمد" تحريف.
(٢) "ك، ط": "شيء بعد".
(٣) "ك، ط": "ولكن يقال". "ف": "يمكن قد" تحريف.
(٤) "ك، ط": "والمشيئة".
(٥) وردت هنا في الأصل عبارة ضرب عليها، أثبتها للفائدة: "هذا تقرير شيخنا. قلت: وفيه نظر، إذ قوله: "وملء ما شئت من شيء بعد" يحتمل بعدية الزمان، ويحتمل بعدية المكان المغايرة، أي ما شئت غير ذلك. والبعدية مستعملة فيهما".