طريق الهجرتين

شئت". والعبد قد حمد حمدًا أخبر به، وأنشأه،١ ووصفه بأنَّه يملأ ما خلقه الربُّ، وما يشاؤه٢ بعد ذلك.

وأيضًا فقوله: "وملء ما شئت من شيءٍ بعد" يقتضي إثباتَ مشيئة تتعلَّق بشيءٍ بعد ذلك. وعلى الوجه الثاني قد تتعلَّق المشيئة بملء المقدَّر، وقد لا تتعلَّق.

وأيضًا فإذا قيل: "ما شئتَ من شيء بعد ذلك" كان الحمد مالئًا لما هو موجود يشاؤه الربُّ دائمًا، ولا ريبَ أنَّ له الحمد دائمًا في الأُولى والآخرة. وأمَّا إذا قدّر ما يملؤه الحمد، وهو غير موجود، فالمقدَّرات لا حدَّ لها، وما من شيء منها إلا يمكن تقدير شيء بعده، وتقدير ما لا نهاية له، كتقدير الأعداد. ولو أُريد هذا المعنى لم يحتج إلى تعليقه بالمشيئة، بل قيل: "ملء ما لا يتناهى". فأَمَّا ما شاءه٣ الربّ تعالى فلا يكون إلا موجودًا مقدَّرًا، وإن كان لا آخرَ لنوع الحوادث وبقاءِ٤ ما يبقى منها، فهذا كلُّه ممَّا يشاؤه بعد.

وأيضًا فالحمدُ هو الإخبار بمحاسن المحمود على وجه الحب له، ومحاسنُ المحمود تعالى إمَّا قائمة بذاته، وإمَّا ظاهرة في مخلوقاته. فأمَّا المعدوم المحض الَّذي لم يخلق ولا خلق قط فذاك ليس فيه محاسن ولا غيرها، فلا محامد فيه البتة. فالحمدُ للَّه الَّذي يملأ المخلوقات ما

  1. (١) "ط": "وإن ثناءه"، تحريف.
  2. (٢) "ك": "شاءه". "ط": "يشاء".
  3. (٣) "ك، ط": "يشاؤه".
  4. (٤) "ك": "وبقي"."ط": "أو بقاء".
241

وُجِدَ منها وما١ يوجَد هو حمدٌ يتضمن الثَّناءَ عليه بكماله القائم بذاته والمحاسن الظاهرة في مخلوقاته. وأمَّا ما لا وجود له فلا محامد فيه٢ ولا مذامّ، فجعلُ الحمدِ مالئًا له جعلُه مالئًا٣ لما لا حقيقة له.

وقد اختلف النَّاس في معنى كون حمده يملأ السماوات والأرض وما بينهما، فقالت طائفة: هذا٤ على جهة التمثيل، أي لو كان أجسامًا لملأ السماوات والأرضِ وما بينهما٥. قالوا: فإنَّ الحمد من قبيل المعاني والأعراض التي لا تُملأ بها الأجسام، ولا تُملأ الأجسام إلا بالأجسام.

والصواب أنَّه لا يحتاج إلى هذا التكلف البارد، فإنَّ ملء كل شيء يكون بحسب المالئ والمملوءِ، فإذا قيل: امتلأ الإناءُ ماءً، وامتلأت الجفنةُ طعامًا، فهذا الامتلاء نوع. وإذا قيل: امتلأت الدَّارُ رجالًا، وامتلأت المدينةُ خيلًا ورجالًا، فهذا نوع آخر. وإذا قيل: امتلأَ الكتابُ سطورًا، فهذا نوع آخر.

وإذا قيل: امتلأت مسامع الناس حمدًا أو ذمًّا لفلان، فهذا نوع آخر، كما في أثر معروف٦: "أهل الجنَّة من امتلأت مسامعه من ثناء الناس

  1. (١) "ما" ساقطة من "ط".
  2. (٢) "فيه" سقط من "ط"، واستدرك في القطرية.
  3. (٣) "جعله مالئا" سقط من "ط"، واستدرك في القطرية.
  4. (٤) لم يرد "هذا" في "ك، ط".
  5. (٥) هنا عبارة مضروب عليها، نثبتها للفائدة: "وكان شيخنا ﵀ يرى أنَّه لا يحتاج إلى هذا التكلف، بل الحمد يملؤها حقيقة".
  6. (٦) أخرجه ابن ماجة (٤٢٢٤) من حديث ابن عباس مرفوعًا. قال البوصيري: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات. (ز).
242

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي