بالقصد الأوَّل وبالذَّات، وما نالوه من الحمد فإنَّما نالوه بحمده، فهو المحمود أَوَّلًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا. وهذا كما أنَّه بكلِّ شيءٍ عليم، وقد علم غيرُه من علمه ما لم يكن يعلَمه بدون تعليمه.
وفي الدعاء المأثور: "اللَّهم لك الحمدُ كلُه، ولك الملكُ كلُّه، وبيدك الخير كلُّه، وإليك يرجع الأمر كلُّه، أسألك من الخير كلِّه وأعوذُ بك من الشرِّ كلِّه"١.
وهو سبحانه له المُلك، وقد آتى من مُلكه٢ بعضَ خلقه؛ وله الحمد، وقد آتى غيره من الحمد ما شاءَ. وكما أنَّ مُلك المخلوق داخلٌ في ملكه، فحمدُه أيضًا داخلٌ في حمده، فما من محمود يحمَد على شيء ما٣ -دقَّ أو جلَّ- إلا واللَّه المحمودُ عليه بالذَّات، والأولية٤، والأولوية أيضًا. وإذا قال الحامد٥: "اللهم لك الحمد" فالمراد به: أنت المستحقُّ لكلِّ حمد، ليس المراد به الحمد الخارجي فقط.
المعنى الثاني: أن يقال: "لك الحمد كلُّه" أي الحمد التام الكامل، فهذا مختص باللَّه ﷿، ليس لغيره فيه شركة.
(١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٤٠٨٨). وفي سنده خالد بن يزيد العمري المكي. قال البخاري فيه: ذاهب الحديث. التاريخ الكبير (٣/ ١٨٤). وجاء أوله عن حذيفة في مسند أحمد (٢٣٣٥٥) وسنده ضعيف. (ز).
(٢) "ك": "المملكة"، "ط": "الملكة".
(٣) "ط": "ممَّا"
(٤) "والأولية" ساقط من "ك، ط".
(٥) "الحامد، ساقط من "ط".
والتحقيق أنَّ له الحمد بالمعنيين جميعًا، فله عموم الحمد وكماله، وهذا من خصائصه سبحانه. فهو المحمود على كل حال، وعلى كلِّ شيء، أكملَ حمدٍ وأعظمه؛ كما أنَّ له الملك التامّ العامّ، فلا يملك كلَّ شيء إلا هو، وليس الملك التام الكامل إلا له. وأتباع الرسل صلوات اللَّه وسلامه عليهم يثبتون له كمال الملك وكمال الحمد، فإنَّهم يقولون: إنَّه خالق كلِّ شيء وربّه ومليكه، لا يخرج عن خلقه وقدرته ومشيئته شيء البتة، فله الملك كلُّه.
والقدرية المجوسية يُخرجون من ملكه١ أفعالَ العباد، فيخرجون طاعات الأنبياء والمرسلين والملائكة والمؤمنين من ملكه، كما٢ يخرجون سائر حركات الملائكة والجن والإنس عن ملكه. وأتباعُ الرسل يجعلون ذلك كلَّه داخلًا تحت٣ ملكه وقدرته، ويثبتون له٤ كمال الحمد أيضًا، وأنَّه المحمود على جميع ذلك، وعلى كلِّ ما خلقه ويخلقه، لما له فيه من الحِكَم والغايات المحمودة المقصودة بالفعل.
وأمَّا نفاةُ الحكمة والأسباب من مثبتي القدر، فهم في الحقيقة لا يثبتون له حمدًا، كما لا يثبتون له الحكمة؛ فإنَّ الحمد من لوازم الحكمة، والحكمة إنَّما تكون في حقِّ من يفعل شيئًا لشيء، فيريد بما يفعله الحكمة الناشئة من فعله. فأمَّا من لا يفعل شيئًا لشيء البتة،
(١) في "ف" هنا وفي السطر التالي: "عن ملكه"، خلافًا لأصلها.
(٢) العبارة "فيخرجون. . . " إلى هنا ساقطة من "ط"، ومستدركة في حاشية "ك"، بخط متأخر.
(٣) "ك، ط": "في ملكه".
(٤) "له" سقط من "ط"، وكتب في "ك" فوق السطر بخط مختلف.