طريق الهجرتين

والتحقيق أنَّ له الحمد بالمعنيين جميعًا، فله عموم الحمد وكماله، وهذا من خصائصه سبحانه. فهو المحمود على كل حال، وعلى كلِّ شيء، أكملَ حمدٍ وأعظمه؛ كما أنَّ له الملك التامّ العامّ، فلا يملك كلَّ شيء إلا هو، وليس الملك التام الكامل إلا له. وأتباع الرسل صلوات اللَّه وسلامه عليهم يثبتون له كمال الملك وكمال الحمد، فإنَّهم يقولون: إنَّه خالق كلِّ شيء وربّه ومليكه، لا يخرج عن خلقه وقدرته ومشيئته شيء البتة، فله الملك كلُّه.

والقدرية المجوسية يُخرجون من ملكه١ أفعالَ العباد، فيخرجون طاعات الأنبياء والمرسلين والملائكة والمؤمنين من ملكه، كما٢ يخرجون سائر حركات الملائكة والجن والإنس عن ملكه. وأتباعُ الرسل يجعلون ذلك كلَّه داخلًا تحت٣ ملكه وقدرته، ويثبتون له٤ كمال الحمد أيضًا، وأنَّه المحمود على جميع ذلك، وعلى كلِّ ما خلقه ويخلقه، لما له فيه من الحِكَم والغايات المحمودة المقصودة بالفعل.

وأمَّا نفاةُ الحكمة والأسباب من مثبتي القدر، فهم في الحقيقة لا يثبتون له حمدًا، كما لا يثبتون له الحكمة؛ فإنَّ الحمد من لوازم الحكمة، والحكمة إنَّما تكون في حقِّ من يفعل شيئًا لشيء، فيريد بما يفعله الحكمة الناشئة من فعله. فأمَّا من لا يفعل شيئًا لشيء البتة،

  1. (١) في "ف" هنا وفي السطر التالي: "عن ملكه"، خلافًا لأصلها.
  2. (٢) العبارة "فيخرجون. . . " إلى هنا ساقطة من "ط"، ومستدركة في حاشية "ك"، بخط متأخر.
  3. (٣) "ك، ط": "في ملكه".
  4. (٤) "له" سقط من "ط"، وكتب في "ك" فوق السطر بخط مختلف.
246

فلا يُتصوَّر في حقه الحكمة. وهؤلاء يقولون: ليس في أفعاله وأحكامه لام تعليل، وما اقترن بالمفعولات من قوى وطبائع ومصالح فإنَّما اقترنت بها اقترانًا عاديًّا، لا أنَّ هذا كان لأجل هذا؛ ولا شاءَ١ السببَ لأجل المسبَّب، بل لا سببَ عندهم ولا مسببَ البتة، إنْ هو إلا محض المشيئة وصِرف الإرادة التي ترجِّح مِثلًا على مِثلٍ، بلا مرجِّح٢ أصلًا. وليس عندهم في الأجسام طبائع وقوًى تكون أسبابًا لحركاتها، ولا في العين قوَّةٌ امتازت بها على الرِّجْل تبصر بها٣، ولا في القلب قوَّة يعقل بها امتاز بها على الظهر٤؛ بل خصَّ سبحانه أحد الجسمَين بالرؤية والعقل والذوق تخصيصًا لمثل على مثل، بلا سبب أصلًا ولا حكمة.

فهؤلاء لم يُثبِتوا له كمال الحمد، كما لم يُثبِت له أولئك كمالَ الملك، وكلا القولين منكَر عند السلف وجمهور الأُمَّة. ولهذا كان منكرو الأسباب والقوى والطبائع يقولون: العقل نوع من العلوم الضرورية، كما قاله القاضيان أبو بكر بن الطيب وأبو يعلى بن الفرَّاء وأتباعهما. وقد نصَّ أحمدُ على أنَّه غريزة، وكذلك الحارث المحاسِبي وغيرهما٥. وأولئك٦ لا يثبتون غريزةً ولا قوَّة ولا طبيعةً ولا سببًا،

  1. (١) "ك، ط": "نشأ"، تحريف.
  2. (٢) "ك، ط": "بل لا مرجح".
  3. (٣) "ط": "يبصر بها". وفي "ف": "بصيرتها" كذا، وهو تصحيف.
  4. (٤) "ك، ط": "عن الظهر".
  5. (٥) انظر: ذم الهوى (٥). والعقل غريزة، أو نوع من العلوم الضرورية، كلا القولين حكاهما شيخ الإسلام وصوّبهما في الاستقامة (٢/ ١٦١)، ومجموع الفتاوى (٩/ ٢٨٧).
  6. (٦) "ط": "فأولئك"، خطأ.
247

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي