طريق الهجرتين

على نفسي، وجعلتُه محرَّمًا بينكم١، فلا تظالموا"٢، فالذي حرَّمه على نفسه هو المستحيل الممتنع لذاته كالجمع بين النقيضين، وليس هناك ممكن يكون ظلمًا في نفسه وقد حرَّمه على نفسه، ومعلومٌ أنَّه لا يُمدح الممدوحُ بترك ما لو أراده لم يقدر عليه، وأيضًا فإنّه قال: "وجعلته محرَّمًا بينكم"، فالذي حرَّمه على نفسه هو الَّذي جعله محرَّمًا بين عباده، وهو الظلم المقدور الَّذي يستحق تاركُه الحمدَ والثَّناءَ.

والذي أوجبَ لهم هذا مناقضةُ القدرية المجوسية وردُّ أصولهم وهدمُ قواعدِهم، ولكن ردُّوا باطلًا بباطل، وقابلوا بدعةً ببدعة، وسلَّطوا عليهم خصومَهم بما التزموه من الباطل. فصارت الغلبة بينهم وبين خصومهم سِجَالًا: مرَّة يغلِبون، ومرَّةً يُغلَبون، لم تستقر٣ لهم نصرة. وإنَّما النصرة التامَّة٤ لأهل السنَّة المحضة الذين لم يتحيزوا إلى فئةٍ غير رسول اللَّه ﷺ، ولم يلتزموا شيئًا٥ غير ما جاءَ به، ولم يؤصِّلوا أصلًا ببدعة يسلطون عليهم به خصومهم، بل أصلُهم ما دلَّ عليه كتابُ اللَّه، وكلامُ رسوله، وشهدت به الفِطرَ والعقول.

فصل

والمقصودُ بيانُ شمولِ حمدِه تعالى وحكمتِه لكلِّ ما يحدثه من

  1. (١) "ك، ط": "بينكم محرَّمًا".
  2. (٢) من الحديث القدسي الَّذي أخرجه مسلم عن أبي ذر ﵁ في كتاب البر والصلة والآداب (٢٥٧٧).
  3. (٣) "ط": "لم يستقر".
  4. (٤) "ك، ط": "الثابتة".
  5. (٥) "شيئا": ساقط من "ك، ط".
250

إحسانٍ ونعمة، وامتحانٍ وبلية، وما يقضيه من طاعة ومعصية، وأنَّه سبحانه١ محمودٌ على ذلك مشكور حمدَ المدح وحمدَ الشكر. أمَّا حمد المدح فإنَّه محمود٢ على كلِّ ما خلق، إذ هو رب العالمين، والحمدُ للَّه ربِّ العالمين. وأمَّا حمد الشكر فلأنَّ٣ ذلك كلَّه نعمة في حقِّ المؤمن إذا اقترن بواجبه.

والإحسانُ٤ والنعمةُ إذا اقترنت بالشكر صارت نعمة، والامتحان والبليةُ إذا اقترن٥ بالصبر كان٦ نعمة. والطاعةُ فمن٧ أجلّ نعمه، وأمَّا المعصيةُ فإذا اقترنت بواجبها من التوبة والاستغفار والإنابة والذل والخضوع، فقد ترتَّب عليها من الآثار المحمودة والغايات المطلوبة ما هو نعمة أيضًا، وإن كان سببُها مسخوطًا مبغوضًا للربِّ تعالى، ولكنَّه يحب ما ترتب٨ عليها من التوبة والاستغفار.

وهو سبحانه أفرَح بتوبة عبده من الرجل إذا أضلَّ راحلته بأرضٍ

  1. (١) "ط": "واللَّه تعالى".
  2. (٢) "ط": "فاللَّه محمود".
  3. (٣) "ف": "فإنَّ"، خلاف الأصل.
  4. (٤) "ك، ط": "من الإحسان"، كأنَّهُ كان للواجب، والصواب ما ورد في الأصل. وقراءة "ن": "فالإحسان".
  5. (٥) كذا في الأصلِ بصيغة الإفراد، والضمير راجع إلى الامتحان دون البلية، كما رجع الضمير في "اقترنت" في الجملة السابقة إلى النعمة، وكان الأُولى أن يرجع إلى الإحسان. وفي "ك، ط": "اقترنا". ولعلَّه مغير في "ك" لأنَّ الجواب فيها "كان" بالإفراد كما في الأصل.
  6. (٦) "ط": "كان". "ف": "صار"، خلاف الأصل.
  7. (٧) "ط": "من".
  8. (٨) "ط": "يترتب".
251

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي