طريق الهجرتين

إحسانٍ ونعمة، وامتحانٍ وبلية، وما يقضيه من طاعة ومعصية، وأنَّه سبحانه١ محمودٌ على ذلك مشكور حمدَ المدح وحمدَ الشكر. أمَّا حمد المدح فإنَّه محمود٢ على كلِّ ما خلق، إذ هو رب العالمين، والحمدُ للَّه ربِّ العالمين. وأمَّا حمد الشكر فلأنَّ٣ ذلك كلَّه نعمة في حقِّ المؤمن إذا اقترن بواجبه.

والإحسانُ٤ والنعمةُ إذا اقترنت بالشكر صارت نعمة، والامتحان والبليةُ إذا اقترن٥ بالصبر كان٦ نعمة. والطاعةُ فمن٧ أجلّ نعمه، وأمَّا المعصيةُ فإذا اقترنت بواجبها من التوبة والاستغفار والإنابة والذل والخضوع، فقد ترتَّب عليها من الآثار المحمودة والغايات المطلوبة ما هو نعمة أيضًا، وإن كان سببُها مسخوطًا مبغوضًا للربِّ تعالى، ولكنَّه يحب ما ترتب٨ عليها من التوبة والاستغفار.

وهو سبحانه أفرَح بتوبة عبده من الرجل إذا أضلَّ راحلته بأرضٍ

  1. (١) "ط": "واللَّه تعالى".
  2. (٢) "ط": "فاللَّه محمود".
  3. (٣) "ف": "فإنَّ"، خلاف الأصل.
  4. (٤) "ك، ط": "من الإحسان"، كأنَّهُ كان للواجب، والصواب ما ورد في الأصل. وقراءة "ن": "فالإحسان".
  5. (٥) كذا في الأصلِ بصيغة الإفراد، والضمير راجع إلى الامتحان دون البلية، كما رجع الضمير في "اقترنت" في الجملة السابقة إلى النعمة، وكان الأُولى أن يرجع إلى الإحسان. وفي "ك، ط": "اقترنا". ولعلَّه مغير في "ك" لأنَّ الجواب فيها "كان" بالإفراد كما في الأصل.
  6. (٦) "ط": "كان". "ف": "صار"، خلاف الأصل.
  7. (٧) "ط": "من".
  8. (٨) "ط": "يترتب".
251

دوِّيَّةٍ١ مهلكةٍ عليها طعامه وشرابه، فأيس منها ومن الحياة، فنام، ثمَّ استيقظ، فإذا بها قد تعلَّق خطامُها في أصلِ شجرةٍ، فجاءَ حتَّى أخذها = فاللَّهُ أفرحُ بتوبة العبد حين يتوب إليه من هذا براحلته٢.

فهذا الفرحُ العظيم الَّذي لا يشبهه شيء أحبُّ إليه سبحانه من عدمه، وله أسباب ولوازم لا بدَّ منها. وما يحصل بتقدير عدمه من الطاعات وإن كان محبوبًا له، فهذا الفرح أحبُّ إليه بكثير، ووجوده بدون لازمه ممتنع. فله من الحكمة في تقدير أسبابه وموجباته حكمة بالغة ونعمة سابغة.

هذا بالإضافة إلى الرب ﷻ، وأمَّا بالإضافة إلى العبد فإنَّه قد يكون كمالُ عبوديته وخضوعه موقوفًا على أسباب لا يحصل٣ بدونها. فتقديرُ الذنب عليه إذا اتصل به التوبةُ والإنابة والخضوع والذل والانكسار ودوام الافتقار كان من النعم باعتبار غايته وما يُعقِبه، وإن كان من الابتلاء والامتحان باعتبار صورته ونفسه؛ والربُّ تعالى محمود على الأمرين. فإن اتصل بالذنب الآثارُ المحبوبةُ٤ للرب سبحانه من التوبة والإنابة والذل والانكسار فهو عين مصلحة العبد، والاعتبار بكمال النهاية لا بنقص البداية.

وإن لم يتصل به ذلك فهذا لا يكون إلا من خُبث نفسه، وشرّه، وعدم استعداده لمجاورة ربه بين الأرواح الزكية الطاهرة في الملأ

  1. (١) الدوية: الصحراء الواسعة التي لا نبات فيها.
  2. (٢) يشير إلى حديث الصحيحين، وسيأتي في ص (٥١٢).
  3. (٣) "ط": "تحصل"، خطأ.
  4. (٤) "ف": "المحمودة"، خلاف الأصل.
252

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي