ﷺ يقولون: جلَّ ربنا القديم، [لو]١ لم يتغيَّر هذا الخلق لقال الشاكُّ في اللَّه٢: لو كان لهذا العالم خالق لَحادثَه٣: بينا هو ليل إذ جاء نهار، وبينا٤ هو نهارٌ إذ جاء ليل، وبينا هو صحو إذا جاء غيم، وبينا هو غيم إذ جاءَ صحو"٥ أو نحو٦ هذا من الكلام٧.
ولهذا يستدل سبحانه في كتابه بالحوادث تارةً وباختلافها تارةً، إذ هذا وهذا مستلزمٌ لربوبيته٨، وقدرته، واختياره، ووقوع الكائنات٩ على وفق مشيئته؛ فتنوعُ أفعالهِ ومفعولاته من أعظم الأدلةَ على ربوبيته وحكمته وعلمه.
ولهذا -سبحانه- خلق١٠ النوع الإنساني أربعةَ أقسام: أحدها: لا من ذكر ولا أنثى، وهو خلق أبيهم وأصلهم آدم. الثاني: خلَقه من ذكر بلا أنثى، كخلق أمهم حواء من ضلع من أضلاع آدم من غير أن تحمل بها أنثى أو يشتمل عليها بطن. الثالث: خلقَه من أنثى بلا ذكر، كخلق المسيح
(١) زيادة يقتضيها السياق، وقد أثبتناها من "ف، ن". وفي "ك، ط": "إنَّه لو".
(٢) "ط": "الشاك فيه إنَّه".
(٣) أي لم يتركه على صفة واحدة، بل تعاهده بالتغيير والإصلاح، من حادث السيفَ: تعاهده بالجلاء والصقال. وفي "ط": "لأحدثه"، ولعلَّه تغيير في النص.
(٤) في هذه الجملة والتي بعدها في "ط": "بينا" دون الواو.
(٥) لم أجده.
(٦) "ك، ط": "ونحو".
(٧) "ط": "هذا الكلام"، واستدركت "من" في القطرية.
(٨) "ك، ط": "يستلزم ربوبيته".
(٩) "ك، ط": "كل الكائنات".
(١٠) "ك، ط": "خلق سبحانه".
عيسى ابن مريم صلى اللَّه على نبينا وعليه. الرابع: خلق سائر النوع الإنساني من ذكر وأنثى.
وكلُّ هذا ليدلَّ عباده على كمال قدرته، ونفوذ مشيئته، وكمال حكمته، وأنَّ الأمرَ ليس كما يظنه أعداؤه الجاحدون له الكافرون به من أن ذلك أمرٌ طبيعي لم يزل هكذا ولا يزال، وأنَّه ليس للنوع أبٌ ولا أمٌّ، وأنَّه ليس إلا أرحامٌ تدفَع، وأرضٌ تبلع، وطبيعةٌ تفعل ما يُرى ويشاهَد. ولم يعلم هؤلاء الجهَّال الضلَّال أنَّ الطبيعة قوَّة وصفة فقيرة إلى محلها، محتاجة إلى حامل لها، وأنَّها من أدل الدلائل على وجود من١ طبَعها، وخلَقَها، وأودعها الأجسامَ، وجعل فيها هذه الأسرار العجيبة. فالطبيعةُ مخلوقٌ من مخلوقاته، ومملوكٌ من مماليكه وعبيده، مسخَّرةٌ لأمره، منقادةٌ لمشيئته. ودلائلُ الصنعة، وأماراتُ الخلق والحدوث، وشواهدُ الفقر والحاجة شاهدٌ٢ عليها بأنّها مخلوقة مصنوعة، لا تخلق، ولا تفعل، ولا تتصرّف في ذاتها ونفسها، فضلًا عن إسناد الكائنات إليها.
والمقصود أن تنويع المخلوقات واختلافها من لوازم الحكمة والربوبيّة والملك، وهو أيضًا من موجبات الحمد، فله الحمد على ذلك كلُّه أكمل حمد وأتمّه.
وأيضًا٣ فإنَّ مخلوقاته هي موجَباتُ أسمائه وصفاته، فلكلِّ اسمٍ وصفةٍ أثرٌ لا بُدَّ من ظهوره فيه٤ واقتضائه له، فيمتنع تعطيلُ