والحكمة والمصلحة والرحمة، فلا يخرج تصرُّفه عن ذلك.
وفي تفسير الحافظ أبي بكر أحمد بن موسى بن مردويه من حديث الحِمّاني: حدّثنا إسحاق بن سليمان، عن معاوية بن يحيى، عن يونس بن ميسرة، عن أبي أدريس، عن أبي الدرداءِ أنّه١ سئل عن قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾[الرحمن/ ٢٩]، فقال: سئل عنها رسول اللَّه ﷺ فقال: "من شأنه أن يغفر ذنبًا، ويفرج كربًا، ويرفع قومًا، ويضع آخرين"٢.
وفيه أيضًا من حديث حمّاد بن سلمة، حدثنا الزبير أبو عبد السلام، عن أيوب بن عبد اللَّه بن مكرز، عن أبيه قال: قال عبد اللَّه بن مسعود: "إنّ ربّكم ﷿ ليس عنده ليل ولا نهار، نور السماوات من نور وجهه، أيّامكم عنده ثنتا عشرةَ ساعةً: تُعرض عليه أعمالُكم بالأمس ثلاثَ ساعاتٍ من أوّل النهار، فيطّلع منها على ما يكره، فيغضب، فيكون أول من يعلم بغضبه حملة العرش، فتسبِّح٣ حمَلةُ العرش وسُرادقاتُ العرش والملائكةُ المقرّبون وسائرُ الملائكة، وينفخ جبريل في القَرْن، فلا يبقى خلقٌ للَّه في السماوات ولا في الأرض إلّا سمعه إلّا الثقلين؛ ويسبّحونه ثلاثَ ساعات٤ حتى يمتلئ الرحمن رحمةً، فتلك
(٢) أخرجه ابن ماجه (٢٠٢)، وابن حبان (٦٨٩) من حديث أبي الدرداء مرفوعًا. وقد حسَّنه البوصيري في مصباح الزجاجة. وذكر محقق صحيح ابن حبان شواهد للحديث، على أنَّ الحديث روي موقوفًا. (ز).
(٣) "ب، ك": "فيسبح".
(٤) في "ط": "ويسبحون لذلك" ثمَّ أثبت "ثلاث ساعات" بين حاصرتين.
ستُّ ساعات١. ثم يدعو بالأرحام، فينظر فيها ثلاثَ ساعات ﴿يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾[آل عمران/ ٦]﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ ٤٩﴾[الشورى/ ٤٩] فتلك تسعُ ساعات. ثم يدعو بالأرزاق، فينظر فيها ثلاث ساعات فيبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، فتلك ثنتا عشرة ساعة. ثم قرأ عبد اللَّه: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾[الرحمن/ ٢٩] ثم قال: هذا شأنكم وشأن ربّكم ﷿"٢.
وذكره الطبراني في المعجم الكبير من وجه آخر٣.
وهذا من تمام تصرّفه في ملكه سبحانه، فلو قصر تصرّفه على وجه واحد ونمط واحد لم يكن تصرّفًا تامًّا.
والمقصود أنّ الملك والحمد في حقّه متلازمان، فكلّ ما شمِله ملكُه وقدرتُه شمِله٤ حمدُه، فهو محمود في ملكه، وله الملك والقدرة مع حمده. فكما يستحيل خروج شيء من الموجودات عن ملكه وقدرته، يستحيل خروجُها عن حمده وحكمته. ولهذا يحمد سبحانه نفسَه عند خلقه وأمره، لينبِّه عبادَه على أنّ مصدر خلقه وأمره عن حمده. فهو محمود على كلّ ما خلقه وأمر به٥ حمدَين٦: حمدَ شكر وعبودية،
(١) ذكر ناشر ط أن هنا بياضًا في أصله، ولا بياض في أصولنا.
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٨٨٨٦)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٣٧). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٨٥): "فيه أبو عبد السلام، قال أبو حاتم: مجهول". انظر نقض الدارمي على بشر المريسي (٢٦٦ - ٢٦٨) (ز).
(٣) انظر: التعليق السابق.
(٤) "ط": "شمل".
(٥) "ف": "وأمره" خلاف الأصل.
(٦) "حمدين" ساقط من "ك، ط". وفي "ب": "أمر به من حمد شكر"، سقط =