وتفصيل هذه الجملة١ ممَّا لا سبيل للعقول البشرية إلى الإحاطة به، ولا إلى التعبير عنه، ولكن بالجملة فكلُّ صفة عليا واسم حسن وثناءٍ جميل وكلُّ حمد ومدح وتسبيح وتنزيه وتقديس وجلال وإكرام فهو للَّه ﷿ على أكمل الوجوه وأتمها وأدومها، وجميعُ ما يوصف به ويُذكر به ويُخبر عنه به فهو محامدُ له وثناءٌ وتسبيح وتقديس. فسبحانه وبحمده، لا يحصي أحدٌ من خلقه ثناءً عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني به عليه٢ خلقُه، فله الحمدُ أوَّلًا وآخرًا حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه، كما ينبغي لكرم وجهه، وعز جلاله، ورفيع مجده، وعلو جده.
فهذا تنبيه على أحد نوعَي حمده، وهو حمد الصفات والأسماء.
والنوع الثاني: حمد النعم والآلاء، وهذا مشهود للخليقة: برِّها وفاجرِها، مؤمِنها وكافرها؛ من جزيل مواهبه، وسعة عطاياه، وكريم أياديه، وجميل صنائعه، وحسن معاملته لعباده، وسعة رحمته بهم٣، وبره ولطفه وحنانه، وإجابته لدعوات المضطرين، وكشف كُرُبات المكروبين٤، وإغاثة٥ الملهوفين، ورحمة العالمين٦، وابتدائه بالنعم قبل السؤال ومن غير استحقاق، بل ابتداءً منه بمجرد فضله وكرمه
(١) "ب، ك، ط": "الحكمة"، والظاهر أنَّه تحريف.
(٢) "ف": "عليه به"، خلاف الأصل.
(٣) "ك، ط": "لهم".
(٤) "ف": "المحزونين"، تصحيف.
(٥) "ف": "إعانة".
(٦) "ب، ك، ط": "رحمته للعالمين".
وإحسانه، ودفعِ المحن والبلايا بعد انعقاد أسبابها، وصرفِها بعد وقوعها، ولطفِه تعالى في ذلك بإيصاله١ إلى من أراده بأحسن الألطاف، وتبليغه من ذلك إلى ما لا تبلغه الآمال، وهدايته خاصَّته وعبادَه٢ إلى سُبُل السلام٣، ومدافعته عنهم أحسن الدفاع، وحمايتهم عن مراتع الآثام.
وحبَّبَ إليهم الإيمان، وزيَّنه في قلوبهم، وكرَّه إليهم الكفرَ والفسوق والعصيان، وجعلهم من الرَّاشدين. وكتب في قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروح منه، وسمَّاهم المسلمين قبل أن يخلقهم، وذكرهم قبل أن يذكروه، وأعطاهم قبل أن يسألوه، وتحبَّب إليهم بنعمه، مع غناه عنهم٤، وتبغُّضهم إليه بالمعاصي، وفقرهم إليه.
ومع هذا كله فاتخذَ لهم دارًا، وأعدَّ لهم فيها من كلِّ ما تشتهيه الأنفس وتلذُّه الأعين٥، وملأها من جميع الخيرات، وأودعها من النعيم والحَبْرَة والسرور والبهجة ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطرَ على قلب بشر.
ثمَّ أرسلَ إليهم الرسل يدعونهم إليها، ثمَّ يسَّرَ لهم الأسباب التي توصلهم إليها وأعانهم عليها، ورضيَ منهم باليسير في هذه المدَّة القصيرة جدًا بالإضافة إلى بقاء دار النعيم، وضَمِنَ لهم إن أحسنوا أن