ويتنضَّل سبحانه إلى عباده من مواضع الظنّة والتهمة التي ينسبها٣ إليه مَن لم يعرفه حقَّ معرفته ولا قدَره حقَّ قدره، من تكليفِ عباده ما لا يقدِرون عليه ولا طاقة لهم بفعله البتَّة، وتعذيبهم إن شكروه وآمنوا به، وخلقِ السماوات والأرضِ وما بينهما لا لحكمةٍ ولا لغاية؛ وأنَّه٤ لم يخلق خلقَه لحاجةٍ منه إليهم، ولا ليتكثَر بهم من قلَّة، ولا ليتعززَ بهم من ذلَّة، ولا ليستعينَ بهم٥، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ٥٦ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ٥٧﴾[الذاريات/ ٥٦ - ٥٧].
(١) بعد هذه الآية وقع في الأصل: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾، وكذا في "ف، ن". وهو جزء من الآية التالية، فحذف فى "ط". وزاد فى "ك، ط": "وقال".
(٢) حذفت الآية الأولى في "ك".
(٣) "ب، ك، ط": "نسبها".
(٤) يعني: ويتنصل من أنه. . . وفي "ب": "لغاية، تعالى اللَّه عمَّا يقولون علوًّا كبيرًا. إنَّه ﷻ لم يخلق".
(٥) "من ذلة، ولا ليستعين بهم" ساقط من "ك، ط".
فأخبرَ أنَّهُ لم يخلق الجنَّ والإنسَ لحاجةٍ منه إليهم، ولا ليربح عليهم، لكن خلقهم جودًا وإحسانًا ليعبدوه فيربَحوا هم عليه كلّ الأرباح كقوله: ﴿أنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾[الإسراء/ ٧]، ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ٤٤﴾[الروم/ ٤٤].
ولمَّا أمرهم بالوضوء والغسل١ من الجنابة الذي يحطّ عنهم أوزارهم، ويدخلون به عليه، ويرفع به درجاتهم، قال: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ٦﴾[المائدة/ ٦].
وقال في الأضاحي والهدايا: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾[الحج/ ٣٧].
وقال عقيب أمرهم بالصدقة ونهيهم عن إخراج الرديء من المال: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ٢٦٧﴾[البقرة/ ٢٦٧]. يقول سبحانه: إنِّي غني عمَّا تنفقون أن ينالني منه شيء، حميد مستحق للمحامد٢ كلِّها. فإنفاقكم لا يسدُّ منه حاجةً، ولا يوجب له حمدًا، بل هو الغني بنفسه، الحميد بنفسه وأسمائه وصفاته، وإنفاقُكم إنَّما نفعُه لكم وعائدته عليكم.
ومن المتعين على من لم يباشر قلبَه حلاوةُ هذا الخطاب، وجلالتُه، ولطفُ موقعه، وجذبُه للقلوب والأرواح، ومخالطتُه لها = أن يعالجَ قلبَه بالتقوى، وأن يستفرغ منه المواد الفاسدة التي حالت بينه وبين حظه من