الخواطر، ولا هجست في الضمائر، ولا لاحت لمتوسم، ولا سنحت في فكر. ففي دعاء أعرفِ الخلق بربه تعالى وأعلمِهم بأسمائه وصفاته ومحامده: "أسألك بكلِّ اسم هو لك، سميتَ به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علَّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن١ ربيع قلبي، ونورَ صدري، وجلاءَ حُزني، وذهابَ همِّي وغمِّي"٢.
وفي الصحيح عنه ﷺ في حديث الشفاعة لمَّا يسجدُ٣ بين يدى ربِّه، قال: "فيفتح عليَّ من محامده بشيء لا أحسنه الآن"٤.
وكان يقول في سجوده: "أعوذ برضاك من سَخَطك، وبعفوك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيتَ
(١) "ب": "القرآن العظيم".
(٢) أخرجه أحمد (٣٧١٢)، وابن حبان (٩٧٢)، والحاكم (١/ ٥٠٩) من حديث عبد اللَّه بن مسعود. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، إن سلم من إرسال عبد الرحمن بن عبد اللَّه عن أبيه فإنَّه مختلف في سماعه من أبيه". (ز).
(٣) "لما يسجد" كذا في الأصل وغيره. و"لما" الحينية مختصة بالماضي، فلا يجوز دخولها على المضارع. وقد أدخلها المصنف على المضارع في نونيته في ثلاثة مواضع، منها قوله في السياق نفسه: ولذاك يثني في القيامة ساجدًا ... لمَّا يراهُ المصطفى بعيانِ بثناء حمدٍ لم يكن في هذه الد ... نيا ليحصيَه مدى الأزمان الكافية الشافية (٦٨٥). وفي "ك": "لما سجد"، لكنَّه غير مناسب للسياق.
(٤) أخرجه البخاري في التفسير (٤٧١٢) وغيره، ومسلم في الايمان (١٩٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
على نفسك"١.
فلا يحصي أحد من خلقه ثناءً عليه البتة، وله أسماء وأوصاف وحمد وثناءٌ٢ لا يعلمه ملَك مقرَّب، ولا نبي مرسَل. ونسبة ما يعلم العبادُ من ذلك إلى ما لا يعلمونه كنَقْرَةِ عصفورٍ في بحر.
فإن قيل: فكيف تصنعون بما يشاهد من أنواع الابتلاء والامتحان والآلام للأطفال والحيوانات ومن هو خارج عن التكليف ومن لا ثواب ولا عقاب عليه؟ وما تقولون في الأسماء الدَّالّة على ذلك من المنتقم والقابض والخافض ونحوها؟
قيل: قد تقدَّم من الكلام في ذلك ما يكفي بعضه لذي الفطرة السليمة والعقل المستقيم. وأمَّا من فسدت فطرته، وانتكس قلبه، وضعفت بصيرة عقله، فلو ضُرب له من الأمثال ما ضُرب فإنَّه لا يزيده إلا عمًى وتحيرًا. ونحن نزيد ما تقدم إيضاحًا وبيانًا، إذ بسطُ هذا المقام٣ أولى من اختصاره، فنقول:
قد علمتَ أنَّ جميع أسماءِ الربِّ ﷻ حسنى، وصفاته كمال، وأفعاله حكمة ومصلحة؛ وله كل ثناءٍ وكلُّ حمدٍ ومدحة٤، وكلُّ خير فمنه وله وبيده٥، والشرُّ ليس إليه بوجه من الوجوه: لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ولا في أسمائه. وإن كان في مفعولاته