والربُّ سبحانه قد تجلَّى لقلوب المؤمنين العارفين، وظهر لها بقدرته وجلاله وكبريائه، ومضاء١ مشيئته، وعظيم سلطانه، وعليّ شأنه٢، وكرمه وبره وإحسانه، وسعة مغفرته ورحمته، وما ألقاه في قلوبهم من الإيمان بأسمائه وصفاته إلى حيث احتملته القوى البشرية من ذلك٣، ووراءَه -ممَّا لم تحتمله قواهم، ولا يخطر ببال، ولا يدخل في خلَد- ما٤ لا نسبةَ لما عرفوه إليه. فاعلم أنَّ الذين كان قِسْمُهم أنواع المعاصي والفجور، وفنون الكفر٥ والشرك، والتقلب في غضبه وسخطه = قلوبُهم٦ وأرواحهم شاهدةٌ عليهم بالمعاصي والكفر، مُقِرَّةٌ بأنَّ له الحجَّة عليهم وأنَّ حقَّه قِبَلهم. ولا يدخل٧ النارَ منهم أحدٌ٨ إلا وهو شاهدٌ بذلك، مقِرٌّ به، معترفٌ اعتراف طائع مختار٩ لا مُكرَه مضطهد. فهذه شهادتُهم على أنفسهم وشهادةُ أوليائه عليهم.
والمؤمنون يشهدون له١٠ فيهم بشهادة أخرى لا يشهد بها أعداؤه، ولو شهدوا بها وباؤوا بها لكانت رحمتُه أقربَ إليهم من عقوبته.
(١) "ط": "مضي".
(٢) "ك، ب، ط": "علو شأنه".
(٣) "من ذلك" ساقط من "ط".
(٤) ما عدا الأصل: "مما".
(٥) "وفنون الكفر" ساقط من "ب".
(٦) "ك، ط": "وقلوبهم"، خطأ.
(٧) "ك، ط": "يذكر" تحريف.
(٨) "ب، ك، ط": "أحد منهم النار".
(٩) "مختار" ساقط من "ك، ط".
(١٠) "له" ساقط من "ب، ك، ط".
فيشهدون بأنَّهم١ عبِيده ومِلكه، وأنَّه أوجدهم ليظهر بهم مجدُه، وينفذَ فيهم حُكمُه، ويمضي فيهم عدلُه، ويحقَّ عليهم كلمتُه، ويصدقَ فيهم وعيدُه، ويبين٢ فيهم سابقُ علمه، ويعمر بها٣ ديارهم ومساكنهم التي هي محل عدله وحكمته.
وشهد٤ أولياؤه عظيم ملكه، وعز سلطانه، وصدق رسله، وكمال حكمته، وتمام نعمته عليهم، وقدرَ ما اختصّهم به، ومن أي شيء حماهم وصانهم، وأيَّ شيء صرَف عنهم؛ وأنَّه لم يكن لهم إليه وسيلة قبل وجودهم يتوسلون بها إليه أن لا يجعلهم من أصحاب الشمال وأن يجعلهم من أصحاب اليمين.
وشهدوا له سبحانه بأنَّ ما كان منه إليهم وفيهم -ممَّا يقتضيه إتمامُ كلماته٥ الصدق والعدل٦، وصدقُ قوله، وتحقيقُ٧ مقتضى أسمائه- فهو محضُ حقَّه. وكل ذلك منه حسن جميل، له عليه أتمُّ حمدٍ وأكمله وأفضلُه. وهو حُكمٌ عدلٌ، وقضاءٌ فصل. وأنَّه المحمود على ذلك كلَّه فلا يلحقه منه ظلم ولا جور ولا عبث، بل ذلك عين الحكمة، ومحض الحمد، وكمالٌ أظهره في حقه، وعزٌّ أبداه، وملكٌ أعلنه، ومرادٌ له أنفذه؛ كما فعل بالبُدن وضروب الأنعام: أتمَّ بها مناسكَ أوليائه
(١) "ن، ك، ط": "أنَّهم".
(٢) كذا في "ف" وغيرها. ويحتمل قراءة "يتبين".
(٣) كذا في الأصل وغيره، ولعلَّ الصواب "بهم" كما في "ط".