طريق الهجرتين

فيشهدون بأنَّهم١ عبِيده ومِلكه، وأنَّه أوجدهم ليظهر بهم مجدُه، وينفذَ فيهم حُكمُه، ويمضي فيهم عدلُه، ويحقَّ عليهم كلمتُه، ويصدقَ فيهم وعيدُه، ويبين٢ فيهم سابقُ علمه، ويعمر بها٣ ديارهم ومساكنهم التي هي محل عدله وحكمته.

وشهد٤ أولياؤه عظيم ملكه، وعز سلطانه، وصدق رسله، وكمال حكمته، وتمام نعمته عليهم، وقدرَ ما اختصّهم به، ومن أي شيء حماهم وصانهم، وأيَّ شيء صرَف عنهم؛ وأنَّه لم يكن لهم إليه وسيلة قبل وجودهم يتوسلون بها إليه أن لا يجعلهم من أصحاب الشمال وأن يجعلهم من أصحاب اليمين.

وشهدوا له سبحانه بأنَّ ما كان منه إليهم وفيهم -ممَّا يقتضيه إتمامُ كلماته٥ الصدق والعدل٦، وصدقُ قوله، وتحقيقُ٧ مقتضى أسمائه- فهو محضُ حقَّه. وكل ذلك منه حسن جميل، له عليه أتمُّ حمدٍ وأكمله وأفضلُه. وهو حُكمٌ عدلٌ، وقضاءٌ فصل. وأنَّه المحمود على ذلك كلَّه فلا يلحقه منه ظلم ولا جور ولا عبث، بل ذلك عين الحكمة، ومحض الحمد، وكمالٌ أظهره في حقه، وعزٌّ أبداه، وملكٌ أعلنه، ومرادٌ له أنفذه؛ كما فعل بالبُدن وضروب الأنعام: أتمَّ بها مناسكَ أوليائه

  1. (١) "ن، ك، ط": "أنَّهم".
  2. (٢) كذا في "ف" وغيرها. ويحتمل قراءة "يتبين".
  3. (٣) كذا في الأصل وغيره، ولعلَّ الصواب "بهم" كما في "ط".
  4. (٤) "ف": "ويشهد"، قراءة محتملة.
  5. (٥) "ب": "كلمته".
  6. (٦) في حاشية "ب": "لعله: حكمه" يعني: كلمته الصدق، وحكمه العدل.
  7. (٧) "ك، ط": "تحقق".
294

وقرابين عباده، وإن كان ذلك بالنسبة إلى الأنعام إهلاكًا١ وإتلافًا. فأعداؤه الكفَّار المشركون به الجاحدون به٢ أولى أن تكون دماؤهم قرابينَ أوليائه وضحايا المجاهدين في سبيله، كما قال حسَّان بن ثابت٣:

يتطهَّرون، يَرونَه قُربانَهمبدماءِ مَن عَلِقوا من الكفَّار٤

وكذلك لمَّا ضحَّى خالد بن عبد اللَّه القَسْري٥ بشيخ المعطِّلة الفرعونية الجعد بن درهم، فإنَّه خطبهم في يوم أضحى، فلمَّا أكمل خطبته قال: "أيّها النَّاسُ ضَحُّوا، تقبَّل اللَّه ضحاياكم، فإنِّي مُضَحٍّ بالجعد بن درهم، إنَّه زعمَ أنَّ اللَّه لم يكلِّم موسى تكليمًا، ولم يتخذ إبراهيمَ خليلًا، تعالى عمَّا يقول الجعدُ علوًّا كبيرًا. ثمَّ نزل، فذبحه، وكان٦ ضحيته. ذكر ذلك البخاري في كتاب خلق الأفعال٧.

فهذا شهود أوليائه من شان أعدائه، ولكن أعداؤه في غفلة عن هذا لا يشهدونه ولا يقرون به، ولو شهدوه وأقروا به لأدركهم حنانُه

  1. (١) "ب، ك، ط": "هلاكًا".
  2. (٢) "به" ساقط من "ب، ك، ط".
  3. (٣) كذا وقع في الأصل وغيره، وهو سهو، فالبيت من الأبيات المشهورة التي قالها كعب بن زهير في الأنصار. انظر: ديوانه (٣٥)، ورواية صدر البيت فيه وفي السيرة وغيرها:
    يتطهرون كأنَّه نُسُكٌ لهم
  4. (٤) في الأصل والنسخ الأخرى: "علقوا به"، وهو خطأ يخلّ بالوزن.
  5. (٥) "القسري" ساقط من "ب".
  6. (٦) "ب، ك، ط": "فكان".
  7. (٧) ص (٢٩). وانظر الفتاوى (٨/ ٣٥٧).
295

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي