وقرابين عباده، وإن كان ذلك بالنسبة إلى الأنعام إهلاكًا١ وإتلافًا. فأعداؤه الكفَّار المشركون به الجاحدون به٢ أولى أن تكون دماؤهم قرابينَ أوليائه وضحايا المجاهدين في سبيله، كما قال حسَّان بن ثابت٣:
يتطهَّرون، يَرونَه قُربانَهمبدماءِ مَن عَلِقوا من الكفَّار٤
وكذلك لمَّا ضحَّى خالد بن عبد اللَّه القَسْري٥ بشيخ المعطِّلة الفرعونية الجعد بن درهم، فإنَّه خطبهم في يوم أضحى، فلمَّا أكمل خطبته قال: "أيّها النَّاسُ ضَحُّوا، تقبَّل اللَّه ضحاياكم، فإنِّي مُضَحٍّ بالجعد بن درهم، إنَّه زعمَ أنَّ اللَّه لم يكلِّم موسى تكليمًا، ولم يتخذ إبراهيمَ خليلًا، تعالى عمَّا يقول الجعدُ علوًّا كبيرًا. ثمَّ نزل، فذبحه، وكان٦ ضحيته. ذكر ذلك البخاري في كتاب خلق الأفعال٧.
فهذا شهود أوليائه من شان أعدائه، ولكن أعداؤه في غفلة عن هذا لا يشهدونه ولا يقرون به، ولو شهدوه وأقروا به لأدركهم حنانُه
(١) "ب، ك، ط": "هلاكًا".
(٢) "به" ساقط من "ب، ك، ط".
(٣) كذا وقع في الأصل وغيره، وهو سهو، فالبيت من الأبيات المشهورة التي قالها كعب بن زهير في الأنصار. انظر: ديوانه (٣٥)، ورواية صدر البيت فيه وفي السيرة وغيرها: يتطهرون كأنَّه نُسُكٌ لهم
(٤) في الأصل والنسخ الأخرى: "علقوا به"، وهو خطأ يخلّ بالوزن.
(٥) "القسري" ساقط من "ب".
(٦) "ب، ك، ط": "فكان".
(٧) ص (٢٩). وانظر الفتاوى (٨/ ٣٥٧).
ورحمتُه، ولكن لمَّا حُجِبوا عن معرفته، ومحبته، وتوحيده، وإثبات أسمائه الحسنى وصفاته العلى١، ووصفه بما يليق به، وتنزيهه عمَّا يليق به = صاروا أسوأَ حالًا من الأنعام، وضُرِبوا بالحجاب، وأُبعِدوا عنه بأقصى البعد، وأخرجوا من نوره إلى الظلمات، وغُيِّبتْ قلوبُهم من٢ الجهل به وبكماله وجلاله وعظمته في غيابات٣، ليتمَّ عليهم أمرُه٤، وينفذ فيهم حكمُه، واللَّه عليم حكيم٥.
فصل
واللَّه سبحانه مع كونه خالقَ كلِّ شيء، فهو موصوف بالرضا والغضب، والعطاء والمنع، والخفض والرفع، والرحمة والانتقام. فاقتضت حكمته تعالى أن خلقَ دارًا لطالبي رضاه العاملين بطاعته، المؤثرين لأمره، القائمين بمحابه، وهي الجنَّة. وجعل فيها كل شيء مرضي، وملأها من كلِّ محبوب ومرغوب ومشتهًى ولذيذ، وجعل الخيرَ بحذافيره فيها، وجعلها محلَّ كلِّ طيبٍ من الذوات والصفات والأقوال.
وخلق دارًا أخرى لطالبي أسباب غضبه وسخطه، المؤثرين لأغراضهم٦ وحظوظهم على مرضاته، العاملين بأنواع مخالفته، القائمين بما يكره من الأعمال والأقوال، الواصفين له بما لا يليق به،