طريق الهجرتين

ورحمتُه، ولكن لمَّا حُجِبوا عن معرفته، ومحبته، وتوحيده، وإثبات أسمائه الحسنى وصفاته العلى١، ووصفه بما يليق به، وتنزيهه عمَّا يليق به = صاروا أسوأَ حالًا من الأنعام، وضُرِبوا بالحجاب، وأُبعِدوا عنه بأقصى البعد، وأخرجوا من نوره إلى الظلمات، وغُيِّبتْ قلوبُهم من٢ الجهل به وبكماله وجلاله وعظمته في غيابات٣، ليتمَّ عليهم أمرُه٤، وينفذ فيهم حكمُه، واللَّه عليم حكيم٥.

فصل

واللَّه سبحانه مع كونه خالقَ كلِّ شيء، فهو موصوف بالرضا والغضب، والعطاء والمنع، والخفض والرفع، والرحمة والانتقام. فاقتضت حكمته تعالى أن خلقَ دارًا لطالبي رضاه العاملين بطاعته، المؤثرين لأمره، القائمين بمحابه، وهي الجنَّة. وجعل فيها كل شيء مرضي، وملأها من كلِّ محبوب ومرغوب ومشتهًى ولذيذ، وجعل الخيرَ بحذافيره فيها، وجعلها محلَّ كلِّ طيبٍ من الذوات والصفات والأقوال.

وخلق دارًا أخرى لطالبي أسباب غضبه وسخطه، المؤثرين لأغراضهم٦ وحظوظهم على مرضاته، العاملين بأنواع مخالفته، القائمين بما يكره من الأعمال والأقوال، الواصفين له بما لا يليق به،

  1. (١) "ط": "العليا".
  2. (٢) "ك، ط": "في"، تحريف.
  3. (٣) "ب": "غايات". "ك، ط": "غابات"، تحريف. وغَيابة الجُب: قعره.
  4. (٤) "ك، ط": "أمده" تحريف.
  5. (٥) "واللَّه عليم حكيم" ساقط من "ن". وفيها وفي "ك، ط" زيادة: "واللَّه أعلم".
  6. (٦) "ط": "لأغراضها". وصحح في القطرية.
296

الجاحدين لما أخبرتْ به رسلُه من صفات كماله ونعوت جلاله، وهي جهنَّم. وأودعها كل شيء مكروه، وشحنَها١ من كلِّ مؤذٍ٢ ومؤلم، وجعل الشرَّ بحذافيره فيها، وجعلها محلَّ كلِّ خبيث من الذوات والصفات والأقوال والأعمال.

فهاتان الداران هما دار القرار٣.

وخلق دارًا ثالثة هي كالميناء لهاتين الدارين، ومنها يتزود المسافرون إليهما، وهي دار الدنيا. ثمَّ أخرج إليها من آثار٤ الدارين بعضَ ما اقتضته أعمالُ أربابهما وما يُستدل به عليهما، حتَّى كأنَّهما رأيُ عين، ليصير للإيمان٥ بالدَّارين -وإن كان غيبًا- وجهُ٦ شهادة تستأنس٧ به النفوس، وتستدلّ به. فأخرج سبحانه إلى هذه الدار من آثار رحمته من الثمار والفواكه، والطيبات، والملابس الفاخرة، والصور الجميلة، وسائر ملاذّ النفوس ومشتهاها ما هو نفحةٌ من نفحات الدار التي جعل ذلك كله فيها على وجه الكمال. فإذا رآه المؤمنون ذكّرهم بما هناك من الحَبْرة٨ والسرور والعيش الرخي، كما قيل:

  1. (١) "ك": "سجنها"، "ط": "وسجنها مليءٌ". ولعل هذه الزيادة سببها التصحيف السابق.
  2. (٢) "ب، ك": "شيء مؤذ".
  3. (٣) كذا في الأصل وغيره به. فراد "الدار". وفي "ط": "دارا القرار".
  4. (٤) "ك، ط": "أثمار".
  5. (٥) "ب، ك": في "الإيمان".
  6. (٦) "وجه" ساقط من "ب".
  7. (٧) "ف": "تستأثر". "ن": "تستأمن"، والظاهر أنَّ كليهما تحريف.
  8. (٨) "ب، ك، ط": "الخير".
297

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي