طريق الهجرتين

الجاحدين لما أخبرتْ به رسلُه من صفات كماله ونعوت جلاله، وهي جهنَّم. وأودعها كل شيء مكروه، وشحنَها١ من كلِّ مؤذٍ٢ ومؤلم، وجعل الشرَّ بحذافيره فيها، وجعلها محلَّ كلِّ خبيث من الذوات والصفات والأقوال والأعمال.

فهاتان الداران هما دار القرار٣.

وخلق دارًا ثالثة هي كالميناء لهاتين الدارين، ومنها يتزود المسافرون إليهما، وهي دار الدنيا. ثمَّ أخرج إليها من آثار٤ الدارين بعضَ ما اقتضته أعمالُ أربابهما وما يُستدل به عليهما، حتَّى كأنَّهما رأيُ عين، ليصير للإيمان٥ بالدَّارين -وإن كان غيبًا- وجهُ٦ شهادة تستأنس٧ به النفوس، وتستدلّ به. فأخرج سبحانه إلى هذه الدار من آثار رحمته من الثمار والفواكه، والطيبات، والملابس الفاخرة، والصور الجميلة، وسائر ملاذّ النفوس ومشتهاها ما هو نفحةٌ من نفحات الدار التي جعل ذلك كله فيها على وجه الكمال. فإذا رآه المؤمنون ذكّرهم بما هناك من الحَبْرة٨ والسرور والعيش الرخي، كما قيل:

  1. (١) "ك": "سجنها"، "ط": "وسجنها مليءٌ". ولعل هذه الزيادة سببها التصحيف السابق.
  2. (٢) "ب، ك": "شيء مؤذ".
  3. (٣) كذا في الأصل وغيره به. فراد "الدار". وفي "ط": "دارا القرار".
  4. (٤) "ك، ط": "أثمار".
  5. (٥) "ب، ك": في "الإيمان".
  6. (٦) "وجه" ساقط من "ب".
  7. (٧) "ف": "تستأثر". "ن": "تستأمن"، والظاهر أنَّ كليهما تحريف.
  8. (٨) "ب، ك، ط": "الخير".
297
فإذا رآك المسلمون تيقَّنواحُورَ الجِنانِ لدى النعيم الخالدِ١

فشمَّروا إليه وقالوا: "اللهم لا عيش إلا عيشُ الآخرة"٢. وأحدثت لهم رؤيته عَزمات وهممًا وجدًّا وتشميرًا، لأنَّ النعيم يذكِّر بالنعيم، والشيء يذكِّر بجنسه؛ فإذا رأى أحدُهم ما يُعجبه ويروقه ولا سبيل له إليه قال: "موعدك الجنَّة، وإنَّما هي عشية أوضحاها". فوجودُ تلك المشتهيات والملذوذات في هذه الدار رحمةٌ من اللَّه، يشوّق٣ بها عباده المؤمنين إلى تلك٤ التي هي أكملُ منها، وزاد٥ لهم من هذه الدار إليها. فهي زاد، وعبرة، ودليل، وأثرٌ من آثار٦ رحمته التي أودعها تلك الدار. فالمؤمن يهتزُّ برؤيتها إلى ما أمامه، ويثير ساكنَ عزماته إلى تلك، فنفسه ذوَّاقة توَّاقة، إذا ذاقت شيئًا منها تاقت إلى ما هو أكملُ منه حتَّى تتوقَ إلى النعيم المقيم في جوار الرب الكريم.

وأخرجَ سبحانه إلى هذه الدار أيضًا من آثار غضبه ونقمته من العقوبات والآلام والمحن والمكروهات من الأعيان والصفات ما يُستدَلُّ بجنسه على ما في دار الشقاء من ذلك، مع أنَّ ذلك من آثار النفَسين الشتائي والصيفي٧ اللذين أذِنَ اللَّه سبحانه بحكمته لجهنَّم أن تتنفَّسَ

  1. (١) لأبي إسحاق الصابئ في يتيمة الدهر (٢/ ٢٥٩).
  2. (٢) من قول النبي ﷺ في غزوة الخندق. أخرجه البخاري في كتاب الجهاد (٢٩٦١).
  3. (٣) "ب، ك، ط": "يسوق".
  4. (٤) "ب، ك، ط": "تلك الدار".
  5. (٥) في الأصل: "زادًا"، ولعله سهو، وكذا في "ف، ن". والمثبت من "ب، ك، ط".
  6. (٦) "من آثار" ساقط من القطرية.
  7. (٧) "ك، ط": "الشتاء والصيف". "ب": "في الشتاء. . . ".
298

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي