والنقمة١، وقسمٌ آخر لا يستحقون ثوابًا ولا عقابًا. ورتَّب على كلِّ قسم من هذه الأقسام٢ حُكمَه اللائقَ به، وأظهر٣ فيه حكمتَه الباهرة٤، ليعلمَ العبادُ كمالَ قدرته وحكمته، وأنَّه يخلق ما يشاءُ، ويختار من خلقه من يصلح للاختيار، وأنَّه يضع ثوابه موضعه، وعقابه موضعه، ويجمع بينهما في المحلِّ المقتضي لذلك، ولا يظلم٥ أحدًا، ولا يبخسه شيئًا من حقِّه، ولا يعاقبه بغير جنايته.
هذا مع ما في ضمن هذا الابتلاء والامتحان من الحِكَم الراجعة إلى العبيد أنفسهم: من استخراجِ صبرهم وشكرهم وتوكلهم وجهادهم، واستخراج٦ كمالاتهم٧ الكامنة في نفوسهم٨ من القوَّة إلى الفعل، ودفع الأسباب بعضها ببعض، وكسرِ كلِّ شيء بمقابله٩ ومصادمته بضده، ليظهر عليه آثارُ القهر وسماتُ الضعف والعجز، ويستيقنَ١٠ العبد أنَّ القهَّار لا يكون إلا واحدًا، وأنَّه يستحيل أن يكون له شريك؛ بل القهر والوحدة متلازمان.
(١) "ك، ط": "النقمة والرحمة". وقد غير بعضم "النقمة" في "ك": "النعمة"!
(٢) زاد في "ط": "الخمسة"، مع أنَّ الأقسام المذكورة أربعة فحسب!
(٣) "ب": "فأظهر".
(٤) "ف": "القاهرة"، تحريف. وفي "ب": "لبالغة".
(٥) "ف": "فلا يظلم".
(٦) هذه نهاية نسخة "ن" الناقصة.
(٧) "ف": "حالاتهم"، تحريف.
(٨) "ط": "نفسهم".
(٩) "ب": "بمقاتلته". تصحيف.
(١٠) "ب، ك، ط": "ويتيقن".
فالملك والقدرة والقوَّة والعزَّة كلها للَّه الواحد القهَّار، ومن سواه مربوب مقهور، له ضد ومناوٍ١ ومشارك. فخلقَ الرياحَ، وسلَّطَ بعضها على بعض تُصادمها، وتكسِر سَورتَها، وتذهب بها. وخلقَ الماء، وسلَطَ عليه الرياحَ تصرّفه وتكسره. وخلق النَّار، وسلَّطَ عليها الماءَ يكسرها ويطفئها. وخلقَ الحديد، وسلَّط عليه النار تذيبه وتكسر قوته. وخلق الحجارة، وسلَّط عليه الحديد يكسرها ويفتَتها. وخلق آدم وذريته، وسلَّطَ عليهم إبليس وذريته. وخلَق إبليس وذريته، وسلَّطَ عليهم٢ الملائكة يشرّدونهم كلَّ مشرَّد ويطرّدونهم كلَّ مطرَّد. وخلق الحرَّ والبرد والشتاء والصيف، وسلَّطَ كلًّا منها على الآخر يُذهِبه ويقهره. وخلقَ الليل والنهار، وقهرَ كلًّا منهما بالآخر. وكذلك الحيوان على اختلاف ضروبه من حيوان البر والبحر، لكل منه مضاد ومغالب.
فاستبان للعقول والفطَر أنَّ القاهر الغالب لذلك كلِّه واحدٌ، وأنَّه٣ من تمام ملكه إيجادُ العالم على هذا الوجه، وربطُ بعضه ببعض٤، وإحواجُ بعضه إلى بعض، وقهرُ بعضه ببعض، وابتلاءُ بعضه ببعض٥، وامتحانُ٦ خيره بشرّه وجعلُ شره لغيره الفداءَ. ولهذا يُدفع إلى كلِّ مؤمن يوم القيامة كافرٌ فيقال له: "هذا فداؤكَ من النار"٧. وهكذا
(١) كذا ورد في الأصل بحذف الهمزة، وهو جائز. وفي "ب، ك، ط": "مناف".
(٢) "ب": "وسلَّط على إبليس وذريته".
(٣) "ب، ط": "وأن".
(٤) "ب، ط": "على بعض".
(٥) "وإحواج. . . " إلى هنا ساقط من "ب".
(٦) "ط": "وامتزاج"، تحريف.
(٧) أخرجه ابن ماجه (٤٢٩٢) عن أنس بن مالك ﵁ بإسناد ضعيف. وله =