ولمَّا أنزلَ اللَّهُ سبحانه الماءَ طاهرًا نافعًا، فمازج الأرضَ، وسالت به أوديتها، أوجدَ ﷻ بينهما بسبب هذه٢ المخالطة والممازجة أنواعَ الثمارِ والفواكه٣ والزروع والنخيل والزيتون وسائر الأغذية والأقوات، وأوجدَ٤ مع ذلك المُرَّ والشوكَ والحنظلَ وغيرَ ذلك. واللقاح واحد، ولكن الأم مختلفة. قال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ٤﴾[الرعد/ ٤].
ثمَّ إنَّه سبحانه يُصرف ما أخرجه من هذا الماءِ، ويُقلِّبه، ويحيل بعضَه إلى بعض، وينقل بعضه بالمخالطة والمجاورة عن طبيعته إلى طبيعة أخرى. وهذا كما خلق كلَّ دابَّةٍ من ماءٍ، ثمَّ خالفَ بين صورها وقواها ومنافعها وأوصافها وما تصلح له٥، وأمشى بعضها٦ على بطنه، وبعضها على رجلين، وبعضها على أربع؛ حكمة بالغة، وقدرة باهرة.
وكذلك سبحانه يقلِّب الليل والتهار، ويقلِّب ما يوجد فيهما، ويقلِّب أحوال العالم كما يشاء، ويسلك بذلك كلَّه٧ مسلك الحكمة البالغة التي
(١) "ف": "طريقها"، خلاف الأصل.
(٢) "هذه" ساقط من "ب".
(٣) "والفواكه" ساقط من "ب".
(٤) "ف": "وإن وُجِدَ" خلاف الأصل.
(٥) "ك، ط": "وما يَصلح لها".
(٦) "ك، ط": "بعضًا" في هذه الجملة وما يليها.
(٧) "كله" ساقط من "ك، ب، ط".
بها يتم مراده، ويظهر ملكه: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾[الأعراف/ ٥٤].
وهذا القرآن المجيد عمدتُه ومقصودُه الإخبارُ عن صفات الرب ﷻ وأسمائه وأفعاله وأنواع حمده والثناءِ عليه، والإنباءُ عن عظمته وعلائه١ وحكمته وإبداع٢ صَنعه، والتقدّمُ إلى عباده بأمره ونهيه على ألسنة رسله، وتصديقهم٣ بما أقامه من الشواهد والدلالات٤ على صدقهم وبراهين ذلك ودلائله، وتبيينُ مراده من ذلك كلّه. وكان من تمام ذلك الإخبارُ عن الكافرين والمكذّبين، وذكرُ ما أجابوا به رسلهم وقابلوا به رسلات ربهم، ووصفُ كفرهم وعنادهم وكيف كذَبوا على اللَّه، وكذبوا رسلَه، وردّوا أمره ونصائحه٥. وكان٦ في اجتلاب٧ ذلك من العلوم والمعارف والبيان وضوحُ شواهد الحقّ، وقيامُ أدلته، وتنوّعُها.
وكان موقع هذا من خلقه موقعَ تسبيحه تعالى وتنزيهه من الثناءِ عليه، فإن٨ أسماءَه تعالى الحسنى وصفاته العلى٩ هي موضع الحمد، ومن