بها يتم مراده، ويظهر ملكه: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾[الأعراف/ ٥٤].
وهذا القرآن المجيد عمدتُه ومقصودُه الإخبارُ عن صفات الرب ﷻ وأسمائه وأفعاله وأنواع حمده والثناءِ عليه، والإنباءُ عن عظمته وعلائه١ وحكمته وإبداع٢ صَنعه، والتقدّمُ إلى عباده بأمره ونهيه على ألسنة رسله، وتصديقهم٣ بما أقامه من الشواهد والدلالات٤ على صدقهم وبراهين ذلك ودلائله، وتبيينُ مراده من ذلك كلّه. وكان من تمام ذلك الإخبارُ عن الكافرين والمكذّبين، وذكرُ ما أجابوا به رسلهم وقابلوا به رسلات ربهم، ووصفُ كفرهم وعنادهم وكيف كذَبوا على اللَّه، وكذبوا رسلَه، وردّوا أمره ونصائحه٥. وكان٦ في اجتلاب٧ ذلك من العلوم والمعارف والبيان وضوحُ شواهد الحقّ، وقيامُ أدلته، وتنوّعُها.
وكان موقع هذا من خلقه موقعَ تسبيحه تعالى وتنزيهه من الثناءِ عليه، فإن٨ أسماءَه تعالى الحسنى وصفاته العلى٩ هي موضع الحمد، ومن
(١) "ب" ك، ط": "عزَّته".
(٢) "ب، ك، ط": "أنواع".
(٣) "ك، ط": "تصديقه يفهم"، تحريف.
(٤) "ب": "الآيات".
(٥) "ب، ك، ط": "ومصالحه"، تحريف.
(٦) "ك، ط": "فكان".
(٧) "ف": "اختلاف"، تصحيف.
(٨) "ب، ك، ط": "وإن".
(٩) "ط": "العليا".
تمام حمده تسبيحُه وتنزيهُه عمّا وصفه به أعداؤه والجاهلون به مما لا يليق به. وكان في تنوع تنزيهه عن ذلك من العلوم والمعارف وتقرير صفات الكمال وتكميل أنواع الحمد ما١ في بيان محاسن الشيء وكماله عند معرفة ما يضادّه ويخالفه. ولهذا كان تسبيحُه تعالى من تمام حمده، وحمدُه من تمام تسبيحه؛ ولهذا كان التسبيح والتحميد قرينين٢. فكان٣ ما نسبه إليه أعداؤه والمعطّلون٤ لصفات كماله -من علّوه على خلقه وإنزاله كلامه الذي تكلّم به على رسله وغير ذلك من صفات كلامه- موجبًا لتنزيه رسله له وتسبيحهم عن ذلك٥ مما نزّه عنه نفسَه وسبّح به نفسَه. وكان في ذلك ظهورُ حمده لخلقه٦، وتنوّعُ أسبابه، وكثرةُ شواهده، وسعةُ طرق الثناءِ عليه به، وتقريرُ عظمته ومعرفته في قلوب عباده. فلولا معرفةُ الأسباب التي يسبّح وينزه ويتعالى عنها، وخَلْقُ مَن يضيفها إِليه ويصفه بها، لما قامت حقيقة التسبيح، ولا ظهر لقلوب أهل الإيمان عن أيّ شيء يسبّحونه وعمّا ذا ينزهونه. فلما رأوا في خلقه مَن قد نسبه إلى ما لا يليق به، وجحد من كماله ما هو أولى به، سبّحوه حينئذ تسبيحَ مُجِل له، مُعظِّمٍ له، منزِّهٍ له٧ عن أمرٍ قد
(١) "ف": "وما"، وكذا في الأصل، ولكن لعل الواو مضروب عليها، ولم يظهر خط الضرب لانتشار الحبر.
(٢) "ط": "قربتين"، تصحيف.
(٣) "ب، ك، ط": "وكان".
(٤) (ب): "إليه المعطلون".
(٥) "من صفات. . " إلى هنا ساقط من "ب، ك، ط". وقد استدرك في حاشية "ك" بخط مختلف.