ونظير هذا اشتمال١ كلمة الإسلام -وهي شهادة أن لا إله إلّا اللَّه- على النفي والإثبات. فكان في الإتيان بالنفي في صدر هذه الكلمة من تقرير الإثبات، وتحقيق معنى الإلهية، وتجريد التوحيد الذي يُقصد بنفي الإلهيّة عن كلّ من٢ ادعيت فيه سوى الإله الحق ﵎. فتجريدُ هذا التوحيد من العقد واللسان بتصوّر إثبات الإلهيّة لغير اللَّه -كما قاله أعداؤه المشركون- ونفيُه وإبطالُه من القلب واللسان من تمام التوحيد وكماله، وتقريره٣، وظهور أعلامه، ووضوح شواهده، وصدق براهينه.
ونظير ذلك أيضًا أنّ تكذيَب أعداءِ الرسل لهم٤ وردَّهم ما جاؤوهم به كان من الأسباب الموجِبة ظهورَ براهينِ صدقِ الرسل، ودفعَ ما احتجّ به أعداؤهم عليهم من الشبه٥ الداحضة، ودحضَ حججهم الباطلة، وتقريرَ طرق الرسالة، وإيضاحَ أدلتها. فإنّ الباطل كلّما ظهر فساده وبطلانه أسفر وجهُ الحقّ، واستنارت معالمه، ووضحت سبله، وتقررت براهينه. فكسرُ الباطل ودحضُ حججه وإقامةُ الدليل على بطلانه من أدلّة الحق وبراهينه.
فتأمّلْ كيف اقتضى الحقُ وجودَ الباطل، وكيف تمّ ظهورُ الحق
(١) "ف": "استكمال"، تحريف.
(٢) "ك، ط": "ما".
(٣) "ب": "كمال تقريره".
(٤) "لهم" ساقط من "ك، ط".
(٥) "ب، ك": "الشبهة".
بوجود الباطل، وكيف كان كفرُ أعداءِ الرسل بهم١ وتكذيبُهم لهم ودفعهُم ماجاؤوا به هو٢ من تمام صدق الرسل، وثبوت رسالات اللَّه، وقيام حججه على العباد.
ولنضربْ لذلك مثالًا يتبيّن به، وهو: ملِكٌ له عبدٌ قد توحّد في العالم بالشجاعة والبسالة، والناس بين مصدِّق ومكذب. فمِن قائلِ: هو كذلك، ومِن قائلٍ: هو بخلاف ما يظَنّ به، فإنّه لم يقابل الشجعان، ولا واجه الأقران. ولو نازل٣ الأقران، وقابل الشجعان، لظهر أمرُه، وانكشف حالُه. فسمع به شجعانُ العالم وأبطالُهم، فقصدوه من كلّ أوب، وأمّوه٤ من كلّ قطر، فأراد الملك أن يُظهر لرعّيته ما هو عليه من الشجاعة، فمكن تلك٥ الشجعان والأبطال٦ من منازلته ومقاومته، وقال: دونكم وإيّاه، وشأنكم به. فهل تسليطُ الملِك لأولئك على عبده ومملوكه إلّا لإعلاءِ شأنه، وإظهار شجاعته في العالم، وتخويف أعدائه به، وقضاءِ الملك أوطاره به؟
وكما٧ يترتّب على هذا٨ إظهارُ شجاعة عبده وقوّته، وحصولُ مقصوده بذلك؛ فكذلك يترتَّب عليه ظهورُ كذبِ من ادعَّى مقاومته،