بوجود الباطل، وكيف كان كفرُ أعداءِ الرسل بهم١ وتكذيبُهم لهم ودفعهُم ماجاؤوا به هو٢ من تمام صدق الرسل، وثبوت رسالات اللَّه، وقيام حججه على العباد.
ولنضربْ لذلك مثالًا يتبيّن به، وهو: ملِكٌ له عبدٌ قد توحّد في العالم بالشجاعة والبسالة، والناس بين مصدِّق ومكذب. فمِن قائلِ: هو كذلك، ومِن قائلٍ: هو بخلاف ما يظَنّ به، فإنّه لم يقابل الشجعان، ولا واجه الأقران. ولو نازل٣ الأقران، وقابل الشجعان، لظهر أمرُه، وانكشف حالُه. فسمع به شجعانُ العالم وأبطالُهم، فقصدوه من كلّ أوب، وأمّوه٤ من كلّ قطر، فأراد الملك أن يُظهر لرعّيته ما هو عليه من الشجاعة، فمكن تلك٥ الشجعان والأبطال٦ من منازلته ومقاومته، وقال: دونكم وإيّاه، وشأنكم به. فهل تسليطُ الملِك لأولئك على عبده ومملوكه إلّا لإعلاءِ شأنه، وإظهار شجاعته في العالم، وتخويف أعدائه به، وقضاءِ الملك أوطاره به؟
وكما٧ يترتّب على هذا٨ إظهارُ شجاعة عبده وقوّته، وحصولُ مقصوده بذلك؛ فكذلك يترتَّب عليه ظهورُ كذبِ من ادعَّى مقاومته،
(١) "ف": "منهم"، خطأ.
(٢) "ك، ط": "وهو"، خطأ.
(٣) "ب، ك، ط": "بارز".
(٤) أي قصدوه. وفي "ب، ك، ط": "أتوه".
(٥) "ط": "أولئك"."ب": "الشجاعة بين تلك".
(٦) "والأبطال" ساقط من "ك، ط".
(٧) "ب": "فكما". "ط": "كما".
(٨) "هذا": ساقط من "ط" ومستدرك في القطرية.
وظهورُ عجزهم، وفضيحتهم وخزيهم، وأنهم ليسوا ممن يصلح لمهمّات الملِك وحوائجه. فإذا عدَل بهم عن مهمّاته وولاياته١ وعدَل بها عنهم كان ذلك مقتضى حكمة الملك وحسن تصرّفه في ملكه، وأنّه لو استعملهم في تلك المهمّات لتشوّش أمرُ المملكة، وحصل الخلل والفساد. فاللَّه أعلم حيث يجعل رسالاته٢، وهو أعلم بالشاكرين٣.
والمقصود أنّ خلقَ الأسباب المضادّةِ للحقّ وإظهارها في مقابلة الحق من أبيَن دلالاتِه وشواهدِه، فَكان في خلقها من الحكمة ما لو فاتت لفاتت بها٤ تلك الحكمةُ، وهي أحبُّ إلى اللَّه تعالى من تفويتها بتقدير تفويت هذه الأسباب. واللَّه أعلم.
فصل
وللنَّاس في دخولِ الشرِّ في القضاءِ الإلهي طُرُقٌ، فنذكرها ونذكر أصولَهم التي تفرَّعت عليها هذه الطرق قبل ذلك. فنقول:
الناسُ قائلان٥: أحدهما قولَ أهل الإسلام وأتباع المرسلين كلِّهم إنَّ اللَّه سبحانه فعَّالٌ لما يريد، يفعل باختياره وقدرته ومشيئته، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. وهو الذي يعبر عنه متأخرو المتكلمين بكونه "فاعلًا بالاختيار".
(١) "ط": "ولايته".
(٢) "ك": "واللَّه أعلم. . رسالته". والعبارة ساقطة من "ط".
(٣) "ط": "واللَّه أعلم بالشاكرين".
(٤) وضع "لفاتت" في "ط" بين حاصرتين. وقد سقط "بها" منها ومن "ك".