طريق الهجرتين

وظهورُ عجزهم، وفضيحتهم وخزيهم، وأنهم ليسوا ممن يصلح لمهمّات الملِك وحوائجه. فإذا عدَل بهم عن مهمّاته وولاياته١ وعدَل بها عنهم كان ذلك مقتضى حكمة الملك وحسن تصرّفه في ملكه، وأنّه لو استعملهم في تلك المهمّات لتشوّش أمرُ المملكة، وحصل الخلل والفساد. فاللَّه أعلم حيث يجعل رسالاته٢، وهو أعلم بالشاكرين٣.

والمقصود أنّ خلقَ الأسباب المضادّةِ للحقّ وإظهارها في مقابلة الحق من أبيَن دلالاتِه وشواهدِه، فَكان في خلقها من الحكمة ما لو فاتت لفاتت بها٤ تلك الحكمةُ، وهي أحبُّ إلى اللَّه تعالى من تفويتها بتقدير تفويت هذه الأسباب. واللَّه أعلم.

فصل

وللنَّاس في دخولِ الشرِّ في القضاءِ الإلهي طُرُقٌ، فنذكرها ونذكر أصولَهم التي تفرَّعت عليها هذه الطرق قبل ذلك. فنقول:

الناسُ قائلان٥: أحدهما قولَ أهل الإسلام وأتباع المرسلين كلِّهم إنَّ اللَّه سبحانه فعَّالٌ لما يريد، يفعل باختياره وقدرته ومشيئته، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. وهو الذي يعبر عنه متأخرو المتكلمين بكونه "فاعلًا بالاختيار".

  1. (١) "ط": "ولايته".
  2. (٢) "ك": "واللَّه أعلم. . رسالته". والعبارة ساقطة من "ط".
  3. (٣) "ط": "واللَّه أعلم بالشاكرين".
  4. (٤) وضع "لفاتت" في "ط" بين حاصرتين. وقد سقط "بها" منها ومن "ك".
  5. (٥) كذا في الأصل وغيره. وفي "ط": "للناس قولان".
310

والفريق١ الثاني قولَ من نفى ذلك وقال: صدورُ العالَمِ٢ عنه تعالى صدورًا ذاتيًّا كصدور النور عن الشمس، والحرارة عن النَّار، والتبريد عن الماءِ، ويسمي المتكلمون هذا "الإيجاب الذاتي"، ومصدَره "موجبًا بالذات٣ "، وهذا قول الفلاسفة المشَّائين. وهو الذي يذكره ابن الخطَيب٤ وغيره عن الفلاسفة، ولا يحكي عنهم غيرَه، وإنَّما هو قول المشَّائين. وقرَّبه متأخرُهم وفاضلُهم ابن سينا إلى الإسلام بعضَ التقريب، مع مباينته لما جاءَت به الرسل ولِمَا دلَّ عليه صريح العقل والفطرة.

والفريقان متفقون على أنَّ مصدرَ٥ الكائنات بأسرها خيرٌ محضٌ من جميع الوجوه وكمالٌ صِرْف. ووجود الشرِّ في العالم مشهود، والخير لا يصدر عنه إلا خير، فلا جَرَمَ اختلفت طرقُهم في كيفية دخول الشر في القضاء الإلهي، وتنوعت إلى أربعة طرق٦.

الطريق الأولى٧: طريق نفاة التعليل والحكمة والأسباب، فإنَّهم سدُّوا على أنفسهم هذا الباب، وأثبتوا مشيئةً محضةً لا غاية لها ولا سبب ولا حكمة يفعل٨ لأجلها، ولا يتوقف فعلُ المختار بها على مصلحة

  1. (١) "ك، ط": "وللفريق".
  2. (٢) "ك": "صدور العلم"."ط": "صدر العلم"، تحريف.
  3. (٣) "ك، ط": "موجبات الذات"، تحريف.
  4. (٤) يعني الفخر الرَّازي صاحب التفسير الكبير، المتوفى سنة ٦٥٦ هـ.
  5. (٥) "ف": "ضبط"، تحريف.
  6. (٦) "ب": "أربع طرق".
  7. (٧) "ط": "الأوَّل".
  8. (٨) "ط": "تفعل".
311

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي