طريق الهجرتين

ولا حكمة، ولا غاية لها يُفعل١، بل كلُّ مقدورٍ يحسن منه فعلُه، ولا حقيقة عندهم للقبيح إلا٢ المستحيل لذاته الذي لا يوصف بالقدرة عليه. وهؤلاءِ نفوا مسمَّى الرحمة والحكمة، وإن أقرُّوا بلفظ لا حقيقة له. وكان شيخهم الجهم بن صفوان يقف بأصحابه على المجذَّمين٣، وهم يتقلَّبون في بلائهم، فيقول لهم٤: أرحمُ الرَّاحمين يفعل مثل هذا! يعني أنَّه ليس في الحقيقة رحمة، وإنَّما هو محضُ مشيئة وصِرْفُ إرادة مجرَّدةٍ عن الحكمة والرحمة.

وهؤلاء قابلوا أصحاب الطريق الثاني، وهم الذين أثبتوا له حكمة وغايةً، وقالوا: لا يفعل شيئًا إلا لحكمة وغاية مطلوبة٥، ولكن حجروا عليه سبحانه في ذلك، وشرعوا له شريعةً وضعوها بعقولهم، وظنُّوا أنَّ ما يحسن من خلقه تعالى يحسن منه، وما يقبح منهم يقبح منه، فجعلوا ما أثبتوه له من الحكمة والرحمة من جنس ما هو للخلق. ولهذا كانوا "مشبِّهة الأفعال"، كما أنَّ من شبَّهه بخلقه في صفاته فهو "مشبِّه الصفات"، فاقتسموا التشبيه٦ نصفين: هؤلاء في أفعاله، وإخوانهم في صفاته.

وقالوا: إنَّه تعالى لو خصَّ بعض عبيده عن بعض بإعطائه توفيقًا

  1. (١) "ط": "تفعل".
  2. (٢) "ط": "لولا"، خطأ.
  3. (٣) "ب، ط": "المجذومين".
  4. (٤) "لهم" ساقط من "ك، ط".
  5. (٥) "ب": "لغاية وحكمة مطلوبة".
  6. (٦) في "ف" مكان "التشبيه": "إلى مشبهة"، تحريف.
312

وقدرةً وإرادةً، ولم يعطها الآخرَ، لكان ظلمًا للذي منعه.

وقالوا: لو شاءَ من عباده أفعال المعاصي لكان سفهًا١ ينزَّه عنه، كما في الشاهد٢؛ ولو شاءَ منهم الكفر والفسوق والعصيان ثمَّ عذبهم عليه لكان ظلمًا، كما٣ في الشاهد أيضًا. فإنَّ السيد إذا أراد من عبده شيئًا، ففعل العبد ما أراد سيده، فإنَّه إذا عذبه عدَّه الناس ظالمًا له.

وجعلوا العدل في حقِّه من جنس العدل في حقِّ عباده، والظلم الذي تنزَّه٤ عنه كالظلم الذي يتنزهون٥ عنه. وجعلوا ما يحسن منه من جنس ما يحسن منهم، وما يقبح منه من جنس ما يقبح منهم. وقالوا: لو أرادَ الشرَّ لكان شرِّيرًا كما في الشاهد، فإنَّ مريدَ الشرِّ شرِّير٦.

وقالوا: لو ختم على قلوب أعدائه وأسماعهم، وحال بينهم وبين قلوبهم، وأضلهم عن الإيمان، وجعل على أبصارهم غشاوةً، وجعل من بين أيديهم سدًّا ومن خلفهم سدًّا، ثمَّ عذَّبهم، لكان ذلك ظالمًا لهم؛ لأنَّ أحدنا لو فعل ذلك بعبده، ثمَّ عذَّبه، لكان ظالمًا له.

فهؤلاءِ هم٧ المشبِّهة حقًّا في الأفعال، فعدلُهم تشبيه، وتوحيدُهم تعطيل، فجمعوا بين التشبيه والتعطيل.

  1. (١) "سفهًا" ساقط من "ط"، ومستدرك في حاشية "ك" بخط مختلف.
  2. (٢) تحرفت هذه الكلمة في "ط" هنا وفي المواضع الآتية كلها إلى "المشاهد".
  3. (٣) سقط "كما" من "ك، ط".
  4. (٤) "ب، ك": "ينزه".
  5. (٥) "ك": "ينزهون".
  6. (٦) في الأصل: "شريرًا"، سهو.
  7. (٧) "هم" ساقط من "ب، ك، ط".
313

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي