طريق الهجرتين

قالوا: وهذا الوجه هو الذي١ حسُن لأجله إيلامُ الأطفال والبهائم فإنَّه إيلامٌ للنفع، فإنَّ أبدان الأطفال لا تستقيمُ إلا على الأسباب الجالبة للآلام، وكذلك نفوسهم إنَّما تكمل بذلك، وإيلامُ الحيوان لنفع الآدمي به غير قبيح.

قالوا: وأمَّا الألمُ المستحَق للعقوبة، فإنَّه حسنٌ في الشاهد ولكنَّه غير متحقق في الغائب بالنسبة إلى الأطفال والبهائم لعدم تكليفها، ولكن لا بدَّ في إيلامها من مصلحة ترجع إليها، وهي ما يحصل لهم من العوض في الآخرة. قالوا: ويجب إعادتها لاستيفاءِ ذلك الحق الذي لها، وهو العوض على الآلام التي حصلت لها.

قالوا: وبقاؤها بعد الإعادة موقوف على مقدارٍ معلوم. . . لانقطاعه٢، ونعيم الأطفال والمجانين دائم. واختلفوا في البهائم فقال

  1. = كتب المؤلف، منها قوله في مفتاح دار السعادة (١/ ٣٦٣): "والسعادة لا يعبر إليها إلا على جسر المشقة"، وفيه أيضًا (٢/ ٣٤٧) "والكمالات كلها لا تنال إلا بحظٍّ من المشقة، ولا يعبر إليها إلا على جسر من التعب". وأنشد فيه (٢/ ٣٠٧) قول بعضهم:
    كذا المعالي إذا ما رُمْتَ تدركها ... فاعبُر إليها على جسرٍ من التعب
    والأصل قول أبي تمام في بائيته:
    بصرتَ بالراحة الكبرى فلم ترها ... تُنال إلا على جسرٍ من التعب
  2. (١) "الذي" سقط من "ط" فاستدرك في القطرية.
  3. (٢) كتب ناسخ "ف" فوق كلمة "معلوم": "ينظر"، وترك بياضًا بقدر نصف سطر أو يزيد. والعبارة من لحق طويل بدأ في حاشية الأصل اليمنى ثمَّ استمر إلى أعلى الصفحة ويسارها وأسفلها عائدًا إلى يمينها، ومكان البياض في السطر الأوَّل في أعلاها، وقد ذهب هذا السطر كله لتأكل الورقة، فاعتمدنا في إثبات العبارة "على مقدار. . . واختلفوا في" على "ف". وفي "ك": "موقوف ونعيم =
316

بعضهم: يدوم عوضهم، وقال آخرون بانقطاعه وإنَّهم١ يصيرون ترابًا. قالوا: فإن لم يكن للبهائم عوض يجب لأجله أن تعاد لم تجب إعادتها عقلًا، وتحسن إعادتها، وما يحسن قد يفعله اللَّه وقد لا يفعله.

وهل تجوزُ الآلام للتعويض المجرَّد؟ فيه قولان لهم٢ مبنيان على أصل اختلفوا فيه، وهو أنَّه هل يحسن منه تعالى التفضل بمثل العوض ابتداءً؟ فصار بعضهم إلى امتناعه، كما يمتنع التفضل بمثل الثواب ابتداءً عندهم، وهم مجمعون على امتناعه لئلا يسوَّى بين العامل وغيره. وصارَ مَن ينتمي إلى التحصيل منهم إلى أنَّ التفضل بمقدار الأعواض ممكن غير ممتنع. فمن قال بامتناع التفضل بمقدار العوض جوَّز وقوعَ الآلام للتعويض المجرد. ومن جوَّز التفضل بأمثال الأعواض لم تحسُن عنده الآلام٣ لمجرَّد٤ التعويض، بل قالوا: إنَّما تحسن لوجهين لا بد من اقترانهما: أحدهما التزامُ التعويض، والثاني اعتبار غيرِ المؤلَم بتلك الآلام، وكونُها ألطافًا في زجرِ غاوٍ عن غوايته إذا شاهدها في غيره.

وذهب عماد الضَّيْمَري٥... منهم إلى أنَّ الآلام تحسن

  1. = الأطفال. . . " ولم يُترك بياض، ولكن في الحاشية: "كذا سقط من الأصل نصف سطر قطعه المجلد"، ثمَّ استدرك بعضهم الكلمات التي لم ترد في غير "ت" وهي "على مقدار معلوم. . . لانقطاعه". وفي "ب، ط" بياض بقدر كلمتين بين "موقوف" و"نعيم".
  2. (١) "ب، ك، ط": "فإنَّهم".
  3. (٢) "لهم" ساقط من "ب".
  4. (٣) العبارة "للتعويض المجرد. . " إلى هنا سقطت من "ط"، واستدركت في القطرية.
  5. (٤) "ب، ك، ط": "بمجرد".
  6. (٥) أبو سهل عبَّاد بن سلمان، من كبار المعتزلة، كان في أيام المأمون، وكان =
317

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي