بعضهم: يدوم عوضهم، وقال آخرون بانقطاعه وإنَّهم١ يصيرون ترابًا. قالوا: فإن لم يكن للبهائم عوض يجب لأجله أن تعاد لم تجب إعادتها عقلًا، وتحسن إعادتها، وما يحسن قد يفعله اللَّه وقد لا يفعله.
وهل تجوزُ الآلام للتعويض المجرَّد؟ فيه قولان لهم٢ مبنيان على أصل اختلفوا فيه، وهو أنَّه هل يحسن منه تعالى التفضل بمثل العوض ابتداءً؟ فصار بعضهم إلى امتناعه، كما يمتنع التفضل بمثل الثواب ابتداءً عندهم، وهم مجمعون على امتناعه لئلا يسوَّى بين العامل وغيره. وصارَ مَن ينتمي إلى التحصيل منهم إلى أنَّ التفضل بمقدار الأعواض ممكن غير ممتنع. فمن قال بامتناع التفضل بمقدار العوض جوَّز وقوعَ الآلام للتعويض المجرد. ومن جوَّز التفضل بأمثال الأعواض لم تحسُن عنده الآلام٣ لمجرَّد٤ التعويض، بل قالوا: إنَّما تحسن لوجهين لا بد من اقترانهما: أحدهما التزامُ التعويض، والثاني اعتبار غيرِ المؤلَم بتلك الآلام، وكونُها ألطافًا في زجرِ غاوٍ عن غوايته إذا شاهدها في غيره.
وذهب عماد الضَّيْمَري٥... منهم إلى أنَّ الآلام تحسن
= الأطفال. . . " ولم يُترك بياض، ولكن في الحاشية: "كذا سقط من الأصل نصف سطر قطعه المجلد"، ثمَّ استدرك بعضهم الكلمات التي لم ترد في غير "ت" وهي "على مقدار معلوم. . . لانقطاعه". وفي "ب، ط" بياض بقدر كلمتين بين "موقوف" و"نعيم".
(١) "ب، ك، ط": "فإنَّهم".
(٢) "لهم" ساقط من "ب".
(٣) العبارة "للتعويض المجرد. . " إلى هنا سقطت من "ط"، واستدركت في القطرية.
(٤) "ب، ك، ط": "بمجرد".
(٥) أبو سهل عبَّاد بن سلمان، من كبار المعتزلة، كان في أيام المأمون، وكان =
لمجرد١ الاعتبار من غير تعويض لمن أصابته، وردَّ عليه جماهيرُ القدَرية ذلك. قالوا: والآلام التي يفعلها سبحانه إمَّا أن تكون مستحقة كعقوبات الدنيا وعذاب الآخرة، وإمَّا للتعويض، وإمَّا للمصلحة الرَّاجحة، قالوا: وما يفعله في الآخرة منها فكله للاستحقاق٢، وما يفعله في الدنيا فللعوض والمصلحة، وقد يفعله عقوبة، وأمَّا ما شرعه من أسباب الألم فعقوبات محضة.
وأمَّا مشايخ القوم فقالوا: إنَّما يحسن منه ﵎ الإيلام لأنَّه المنعم٣ بالصحة والحياة، ولأنَّه في حكم من أعار تلك المنفعة لمن لا يملكها، فله قطعُها إذا شاءَ، ولأنَّه قادرٌ على التعويض عالم بقدره، وليس كذلك الواحد منَّا٤. قالوا: فإذا استرجع عاريَّة الصحة والحياة خلَفَها الألم٥، ولا بد.
وأطالوا الكلام في الآلام وأسبابها، وما يحسن منها وما يقبح، وعلى أي وجه يقع؛ وحصروا أنفسهم غاية الحصر، فاستطالت عليهم الجبرية بالأسولة والمضايقات، وألجأوهم إلى مضايق "تضايَقُ عنها أن تَوَلَّجَها الأبَرُ"٦، وأضحكوا العقلاءَ منهم بإبداءِ تناقضهم، وألزموهم إلزاماتٍ
= أبو علي الجبائي يصفه بالحذق في الكلام ثم يقول: "لولا جنونه! ". الفهرست (٢١٥)، لسان الميزان (٣/ ٢٢٩).