لمجرد١ الاعتبار من غير تعويض لمن أصابته، وردَّ عليه جماهيرُ القدَرية ذلك. قالوا: والآلام التي يفعلها سبحانه إمَّا أن تكون مستحقة كعقوبات الدنيا وعذاب الآخرة، وإمَّا للتعويض، وإمَّا للمصلحة الرَّاجحة، قالوا: وما يفعله في الآخرة منها فكله للاستحقاق٢، وما يفعله في الدنيا فللعوض والمصلحة، وقد يفعله عقوبة، وأمَّا ما شرعه من أسباب الألم فعقوبات محضة.
وأمَّا مشايخ القوم فقالوا: إنَّما يحسن منه ﵎ الإيلام لأنَّه المنعم٣ بالصحة والحياة، ولأنَّه في حكم من أعار تلك المنفعة لمن لا يملكها، فله قطعُها إذا شاءَ، ولأنَّه قادرٌ على التعويض عالم بقدره، وليس كذلك الواحد منَّا٤. قالوا: فإذا استرجع عاريَّة الصحة والحياة خلَفَها الألم٥، ولا بد.
وأطالوا الكلام في الآلام وأسبابها، وما يحسن منها وما يقبح، وعلى أي وجه يقع؛ وحصروا أنفسهم غاية الحصر، فاستطالت عليهم الجبرية بالأسولة والمضايقات، وألجأوهم إلى مضايق "تضايَقُ عنها أن تَوَلَّجَها الأبَرُ"٦، وأضحكوا العقلاءَ منهم بإبداءِ تناقضهم، وألزموهم إلزاماتٍ
= أبو علي الجبائي يصفه بالحذق في الكلام ثم يقول: "لولا جنونه! ". الفهرست (٢١٥)، لسان الميزان (٣/ ٢٢٩).
(١) "ب، ك": "بمجرد".
(٢) "ب ": "وكل ما يفعل. . فهو للاستحقاق".
(٣) "ب": "الآلام لأنه منعم".
(٤) "ط": "من الخلق".
(٥) "ب": "الألم والموت".
(٦) عجز بيت لطرفة بن العبد، وصدره: =
لا بدَّ من التزامها أو ترك المذهب.
وسأل أبو الحسن الأشعري أبا علي الجُبائي عن ثلاثة إخوة لأب وأم مات أحدهم صغيرًا، وبلغ الآخر فاختار الإسلام، وبلغ الآخر فاختارَ الكفر، فاجتمعوا عند ربِّ العالمين، فرفع درجة البالغ المسلم، فقال أخوه الصغير: يا ربِّ، ارفع درجتي حتى أبلغ منزلة أخي، فقال: إنَّك لا تستحق، إنَّ أخاكَ بلغ، فعمل أعمالًا استحق بها تلك الدرجة، فقال: يا ربِّ، فهلَّا أحييتني حتى أبلغ، فأعمل عمله؟ فقال: كانت المصلحة١ تقتضي اخترامك قبل البلوغ، لأنِّي علمتُ أنَّك لو بلغتَ لاخترتَ الكفر، فكانت المصلحة في قبضك صغيرًا. قال: فصاح الثالث من أطباق النَّار٢ وقال: يا ربِّ هلَّا فعلتَ معي هذا الأصلح، وقبضتني صغيرًا، كما قبضت أخي صغيرًا؟٣ فما جوابُ هذا أيها الشيخ؟ فلم يُحِرْ٤ إليه جوابًا٥.
قالوا: وإذا علم اللَّه سبحانه من بعض العبيد أنَّه لا يختار الإسلام وأنَّه لا يكون إلا كافرًا مفسدًا في الأرضِ، فأي مصلحةٍ لهذا العبدِ في إيجاده؟
(٣) "ط": "يا رب لم لم تمتني صغيرًا؟ " مكان "هلَّا فعلت. . . أخي صغيرًا".
(٤) أحار الجوابَ: ردَّه. وفي "ط": "فلم يرد".
(٥) أورد المؤلف هذه الحكاية في مفتاح دار السعادة (٢/ ٤٣٠)، وشفاء العليل (٣٣٢). وذكرها شيخ الإسلام في منهاج السنة (٣/ ١٩٨)، وقال إنَّها مشهورة. وانظر: سير أعلام النبلاء (١٥/ ٨٨).