قالوا: وأي مصلحة لإبليس وذريته الكفار١ في إيجادهم؟ فإن قلتم: عرضهم للثواب، قيل لكم: كيف يعرضهم لأمر قد علم٢ أنَّهم لا يفعلونه وأنَّه٣ لا يقع منهم البتَّة؟
ومن هنا أنكرَ غُلاتُهم العلم القديم، وكفَّرهمِ السلف على ذلك، ومن أقرَّ به منهم فإقراره به يبطل مذهبَه٤ وأصله في وجوب مراعاة الصلاح والأصلح. وهذا معنى قول السلف: ناظِروا القدَريَّةَ بالعلم، فإن جحدوه كفروا، وإن أقرُّوا به خُصِمُوا٥.
قالوا: وأمَّا حديث العوض على الآلام، فالرب ﵎ قادرٌ على إيصال تلك المنافع بدون توسط الآلام. قالوا: وهذا بخلاف المستأجر، فإنَّ له منفعةً وحاجةً في توسط تعب الأجيرِ واستيفاء منفعته. فأمَّا من يتعالى٦ عن الانتفاع بخلقه، ولا يحتاج إلى أحدٍ منهم البتة، فلا يعقل في حقِّه ذلك.
قالوا: وأمَّا وقوع الآلام على وجه العقوبات، فذلك إنَّما يحسن في الشاهد لحصول التشفي من الجناة٧ وإطفاء نار الغيظِ والغضب بالانتقام منهم، وذلك لحاجة المعاقب إلى العقاب وانتفاعه به؛ وقياس
(١) "الكفار" ساقط من "ب".
(٢) "ك، ط": "يعلم".
(٣) "أنَّهُ" ساقط من "ط". وفي "ك": "ولأنه"، خطأ.
(٤) "ك": "مبطل مذهبه"، "ط": "مبطل لمذهبه".
(٥) نسبه ابن أبي العزّ في شرح الطحاوية (٢٤٧) إلى الإمام الشافعي ﵀.
(٦) "ط": "تعالى".
(٧) "ف": "في الحياة"، تحريف.
الغائب على الشاهد في ذلك ممتنع.
قالوا: وأمَّا الإيلام للاعتبار بأن يعتبر الغيرُ بالألم الواقع بغيره، فيكون ذلك أدعى له إلى الإذعان والانقياد؛ فلا ريبَ أنَّ الصبي إذا شاهدَ المعلِّم يضرب غيره على لعبه وتفريطه كان ذلك مصلحةً واعتبارًا له، ولعلَّه أن ينتفع بضرب ذلك الغير أكثرَ من انتفاع المضروب، أو حيث لا ينتفع المضروب. ولكن إنَّما يحسن ذلك إذا كان المضروبُ مستحقًّا للضرب، فأين استحقاق الأطفال والبهائم؟
قالوا: وكذلك تمكينُه تعالى عبادَه أن يؤلم بعضُهم بعضًا ويضرَّ بعضهم١ بعضًا -مع قدرته على منعِ المؤلِم المضِر- أيُّ مصلحة لمن مُكِّنَ من ذلك وأُقدر عليه؟ وهل كانت مصلحته إلا تعجيزه وأن يحالَ بينه وبين القدرة على الأذى وضرر العباد٢؟
قالوا: فهذه الشريعةُ التي وضعتموها لربِّ العباد تعالى، وأوجبتم عليه ما أوجبتم، وحرَّمتم عليه ما حرَّمتم، وحجرتم٣ عليه في تصرفه في مُلكه بغير ما أصَّلتم وفرَّعتم بعقولكم وآرائكم، تشبيهًا له وتمثيلًا بخلقه فيما يحسن منهم ويقبح؛ مع أنَّها شريعةٌ باطلة ما أنزل اللَّه بها من سلطان، فإنَّكم لم تطردوها، بل أنتم متناقضون فيها غاية التناقض، خارجون فيها عمَّا يُوجبه كلُّ عقلٍ صحيح وفطرة سليمة. فلا للتشبيه والتمثيل طردتم، ولا بالتعويض قلتم، ولا على حقيقة الحكمة والحمدِ