كما عطَّل غلاةُ الجهمية صفاتِه فلم يثبتوا له صفةً تقوم به، وإن تناقضوا. وكما عطَّلت "السينائية" أتباعُ ابن سينا ذاتَه فلم يُثبتوا له ذاتًا زائدة على وجودٍ مجرَّدٍ لا يقارِنُ١ ماهيةً ولا حقيقةً.
وأصَّلت الجبرية أنَّه تعالى لا ينزّه عن فعل مقدور يكون قبيحًا بالنسبة إليه، بل كل مقدور فهو جائزٌ عليه؟ وإن عُلِمَ عدمُ فعله فبالسمع، وإلا فالعقل يقضي بجوازه عليه. فلا ينزه عن ممكن مقدور إلا ما دلَّ عليه السمعُ٢، فيكون تنزيهه عنه، لا لقبحه في نفسه، بل لأنَّ وقوعه يتضمن الخلفَ في خبره وخبر رسوله، ووقوع الأمر على خلاف علمه ومشيئته، فهذا٣ حقيقة التنزيه عند القوم.
وأصّلت القدرية أنَّ ما يحسن من عباده يحسن منه، وما يقبح منهم يقبح منه؛ مع تناقضهم في ذلك غاية التناقض.
فاقتضت هذه٤ الأصول الفاسدة والقواعد الباطلة فروعًا ولوازمَ كثيرٌ٥ منها مخالفٌ لصريح العقل ولسليم الفِطَر٦، كما هو مخالف لما أخبرت به الرسلُ عن اللَّه؛ فجعل أرباب هذه القواعد والأصول قواعدهم وأصولهم محكمة، وما جاءَ به الرسول متشابهًا!
(١) "ب ": "لا تقارن".
(٢) "ك، ط": "بالسمع".
(٣) "ف": "وهذا"، قراءة مرجوحة.
(٤) "ف": "تلك".
(٥) "ط": "كثيرة"، خطأ.
(٦) "ط": "الفطرة".
ثمَّ أصَّلوا أصلًا في ردِّ هذا المتشابه إلى المحكم، وقالوا: الواجبُ فيما خالف هذه القواطع العقلية -بزعمهم- من الظواهر الشرعية أحدُ أمرين: إمَّا تخريجها١ على ما يعلم العقلاءُ أنَّ المتكلم لم يُرِدْه بكلامه من المجازات البعيدة، والألغاز المعقَّدة، ووحشي اللغات٢، والمعاني المهجورة التي لا يُعرَف أحد من العرب عبَّرَ عنها بهذه العبارة، ولا تحتملها لغة القوم البتة، وإنَّما هي محامل أنشأوها هم، ثمَّ قالوا: نحمل٣ اللفظ عليها! فأنشأوا مَحاملَ من تلقاءِ أنفسهم وحكموا على اللَّه ورسوله٤ بإرادتها بكلامه، فأنشأوا منكرًا وقالوا زورًا.
فإذا ضاقَ عليهم المجالُ، وغلبتهم النصوصُ، وبهرتهم شواهدُ الحقيقة من اطِّرادهِا، وعدم فهمِ العقلاءِ سواها، ومجيئها على طريقة واحدة، وتنوع الألفاظ الدالّةَ على الحقيقة، واحتفافِها بقرائن من السياق والتأكيد وغير ذلك، يقطع٥ كل سامع بأنَّ المراد حقيقتُها وما دلَّتْ عليه = قالوا: الواجب ردُّها، وأن لا يُشتغَل٦ بها!
وإن أحسنوا العبارةَ والظن قالوا: الواجب تفويضها، وأن نكِلَ علمَها إلى اللَّه من غير أن يحصل لنا بها هدًى أو علم أو معرفة باللَّه وأسمائه