طريق الهجرتين

ثمَّ أصَّلوا أصلًا في ردِّ هذا المتشابه إلى المحكم، وقالوا: الواجبُ فيما خالف هذه القواطع العقلية -بزعمهم- من الظواهر الشرعية أحدُ أمرين: إمَّا تخريجها١ على ما يعلم العقلاءُ أنَّ المتكلم لم يُرِدْه بكلامه من المجازات البعيدة، والألغاز المعقَّدة، ووحشي اللغات٢، والمعاني المهجورة التي لا يُعرَف أحد من العرب عبَّرَ عنها بهذه العبارة، ولا تحتملها لغة القوم البتة، وإنَّما هي محامل أنشأوها هم، ثمَّ قالوا: نحمل٣ اللفظ عليها! فأنشأوا مَحاملَ من تلقاءِ أنفسهم وحكموا على اللَّه ورسوله٤ بإرادتها بكلامه، فأنشأوا منكرًا وقالوا زورًا.

فإذا ضاقَ عليهم المجالُ، وغلبتهم النصوصُ، وبهرتهم شواهدُ الحقيقة من اطِّرادهِا، وعدم فهمِ العقلاءِ سواها، ومجيئها على طريقة واحدة، وتنوع الألفاظ الدالّةَ على الحقيقة، واحتفافِها بقرائن من السياق والتأكيد وغير ذلك، يقطع٥ كل سامع بأنَّ المراد حقيقتُها وما دلَّتْ عليه = قالوا: الواجب ردُّها، وأن لا يُشتغَل٦ بها!

وإن أحسنوا العبارةَ والظن قالوا: الواجب تفويضها، وأن نكِلَ علمَها إلى اللَّه من غير أن يحصل لنا بها هدًى أو علم أو معرفة باللَّه وأسمائه

  1. (١) "ك": "نخرجها". "ط": "يخرجها".
  2. (٢) في "ب": "واللغات"، وبعدها بياض بقدر كلمة.
  3. (٣) "ب": "يحمل".
  4. (٤) "ط": "أو رسله"، وفي القطرية: "أو رسوله".
  5. (٥) "ط": "مما يقطع".
  6. (٦) "ب ": "نشتغل".
325

وصفاته، أو ننتفع١ بها في باب واحد من أبواب الإيمان باللَّه وما يُوصَف به وما يُنزَّه عنه، بل نُجري ألفاظَها على ألسنتا، ولا نعتقد حقيقتها، لمخالفتها للقواطع العقلية!

فسمَّوا أصولهم الفاسدة وشُبَههم الباطلة التي هي كبيت العنكبوت، وكما قال فيها القائل٢:

شُبَهٌ تَهَافَتُ كالزجاج تَخالُهاحقًّا وكلٌّ كاسِرٌ مكسورُ٣

= "قواطع عقلية"، مع اختلافهم فيها، وتناقضهم فيها، ومناقضتها لصريح المعقول وصحيح المنقول. وسمَّوا٤ كلام اللَّه ورسوله "ظواهر سمعية"

  1. (١) "ب ": "ينتفع".
  2. (٢) "ك": "القائل شعر". "ط": "القائل شعرًا".
  3. (٣) تمثّل به المصنف في الصواعق (١٢٧٧)، وقبله تمثل به شيخ الإسلام في درء التعارض (٧: ٣١٤)، وبيان تلبيس الجهمية (٢: ٢٥٣)، وقال في مجموع الفتاوى (٤: ٢٨): "أنشده الخطّابي". وتمثل به السمعاني في الأنساب (٣/ ٣٨٨) بلفظ "حجج تكاسَر". وقد ضمّن المصنّف معظم البيت في قوله في النونية:
    شُبَه تهافت كالزجاج تخالها ... حقًا، وقد سقطت على صفوانِ
    ونظم المعنى في بيت آخر:
    شُبَهٌ يكسِّر بعضُها بعضًا كَبَيْـ ... ـيْتٍ من زُجاجٍ خرَّ للأركانِ
    انظر: الكافية الشافية (٨٣٣، ٨٤٦). ولم أعرف قائل البيت، غير أنّ ابن الرومي له أبيات في المعنى مشهورة:
    لِذوي الجدال إذا غدوا لجدالهم ... حُجَجٌ تضِل عن الهدى وتجورُ
    وهنّ كآنية الزجاج تصادمتْ ... فهوَتْ وكلٌّ كاسرٌ مكسورُ
    فالقاتلُ المقتولُ ثَمّ لِضَعفِه ... ولِوَهيِه والآسرُ المأسورُ
    انظر: ديوانه (٣/ ١١٣٩).
  4. (٤) "ط": "فسمّوا".
326

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي