طريق الهجرتين

عنه١، فجزاه اللَّه عن أهل العلم والإيمان أفضل الجزاءِ، وجزى العلم والإيمان عنه كذلك.

فصل

عدنا إلى تمام الكلام في كيفية دخول الشرّ في القضاءِ الإلهي، وبيان طرق الناس في ذلك، واختلافهم في إيلام الأطفال والبهائم.

وقالت "البكريّة" وهم أتباع بكر ابن أخت عبد الواحد بن زيد البصري٢: إنّ البهائم والأطفال لا تألمُ البتّة. والذي حملهم على هذا موجَب التعليل والحكمة، ولم يرتضوا ما قالت الجبريّة من نفي ذلك، ولا ما قالت المعتزلة من حديث الأعواض وما فزعوه عليه، ولم يمكنهم القول بمذهب "التناسخية" القائلين بأنّ الأرواح الفاجرة الظالمة تُودَع في الحيوانات التي تناسبها، فينالها من ألم الضرب والعذاب بحسبها، ولا بمذاهب "المجوس" من إسناد الشرّ والخير إلى إلهين مستقلّين كلّ منهما يذهب٣ بخلقه، ولا بقول من يقول: إنّ البهائم مكلَّفة مأْمورة

  1. (١) في "ط" وضع "عنه" بعد الفعل "لا يستغني".
  2. (٢) "ب": "ابن أخت زيد البصري" وفيه سقط. انظر ترجمته في لسان الميزان (٢/ ٦٠). وخاله عبد الواحد المتوفى سنة ١٧٧ هـ زاهدٌ مشهور، متروك الحديث. العبر (١/ ٢٧)، لسان الميزان (٤/ ٨٠). وقول بكر في الأطفال ذكره الأشعري في المقالات (٢٨٦)، وابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث (٩٦)، ونسبه ابن حزم إلى عبد اللَّه بن عيسى تلميذ بكر. انظر: الفصل (٣/ ١١٠).
  3. (٣) "ب": "يذهب كل منها".
329

منهيّة مُثابة مُعاقبة، وإنّ١ في كلّ أمّة منها رسول ونبيّ٢ منها، وهذه الآلام والعقوبات الدنياوية جزاءٌ على مخالفتها لرسولها ونبيّها = فلم يجدوا بدًّا من التزام ما ذهبوا إليه من إنكار وقوع الآلام بها ووصولها إليها.

وقد ردَّ عليهم الناس بأنّهم كابروا الحسَّ، وجحدوا الضرورة، وأنّ العلم بخلاف ما ذهبوا إليه ضروريّ. وقال من أنصف القوم: لا سبيل إلى نسبة هؤلاءِ إلى جحد الضرورة مع كثرتهم، ولكنّهم ربمّا رأوا أن الطفل والبهيمة لا تدرك الآلام حسبما يدركها العقلاءُ. فإنّ العاقل إذا أدرك تألُمَ جوارحِه وأحسَّ به تألّمَ قلبُه، وطال حزنه، وكثر همُّ روحه وغمُّها، واشتدت فكرتُه في ذلك وفي الأسباب الجالبة له والأسباب الدافعة له؛ وهذه الآلام زائدة على مجرّد ألم٣ الطبيعة، ولا ريب أنّ البهائم والأطفال لا تحصل لها تلك الآلام كما تحصل٤ للعاقل الممّيز. فإن أراد القوم هذا فهم مصيبون، وإن أرادوا أنّه٥ لا شعور لها بالآلام٦ البتة وأنَّها لا تحس بها فمكابرة ظاهرة، فإنَّ الواحد منَّا يعلم باضطرار أنَّه كان يتألَّم في طفوليته٧ بمسِّ النار له، وبالضرب، وغير ذلك.

  1. (١) "ط": "أنَّه".
  2. (٢) كذا بالرفع في الأصل على حذف اسم إنّ. وكذا في "ف، ك، ط". وفي "ب": "رسولًا ونبيًّا".
  3. (٣) "ألم" ساقط من "ب".
  4. (٤) "ط": "يحصل"، وكذا في "ب، ك" هنا وقبل.
  5. (٥) "ط": "أنها".
  6. (٦) "ب": "أنَّه لا يتصور لها الآلام"، تحريف.
  7. (٧) "ب": "كان سالمًا في طفوليته من النار بمس"، تحريف.
330

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي