طريق الهجرتين

وليس لذلك فاعل مختار مدبّر بمشيئته وقدرته، ولا بدَّ في النار من إحراق ونفع، وفي الماءِ من إغراق ونفع، وليس وراء ذلك شيء.

فهذه مذاهب أهل الأرض في هذا المقام.

ولمَّا انتهى أبو عيسى الورَّاق١ إلى حيث انتهتْ إليه أربابُ المقالات، طاش٢ عقله، ولم يتسع لحكمة إيلام الحيوان وذبحه، صنَّف٣ كتابًا سمَّاه "النوح على البهائم"٤، فأقام عليها المآتم وناح، وباخ بالزندقة الصُّراح.

وممن كان على هذا٥ المذهب أعمى البصر والبصيرة كلبُ معرّةِ النُّعمان المكنيّ بأبي العلاء المعزي، فإنَّه امتنع من أكل الحيوان، زعمَ لظلمه بالإيلام والذبح٦.

وأمَّا ابن خطيب الرَّي٧ فإنَّه سلك في ذلك طريقة مركبةً من طريقة المتكلمين وطريقة الفلاسفة المشّائين، وهذَّبها ونقَّحها، واعترف في

  1. (١) اسمه محمد بن هارون، كان معتزليًّا ثمَّ خلَّط وانتهى به التخليط إلى أن صار يرمى بمذهب الثنوية، وعنه أخذ ابن الراوندي. توفي ببغداد سنة ٢٤٧ هـ. الفهرست (٢١٦)، مروج الذهب (٤/ ١٠٥)، لسان الميزان (٥/ ٤١٢).
  2. (٢) "ط": "فطاش".
  3. (٣) في "ب": "فصنّف"، ولعله إصلاح، كما أصلح في "ط" بإدخال الفاء على "طاش".
  4. (٤) ذكره ابن النديم بعنوان "الغريب المشرقي في النوح على البهائم".
  5. (٥) "هذا" سقط من "ط"، واستدرك في القطرية.
  6. (٦) انظر فصل "القول الفصل في القضية" في كتاب "أبو العلاء وما إليه" للأستاذ عبد العزيز الميمني ﵀.
  7. (٧) هو الفخر الرازي.
333

آخرها بأنَّه لا سبيل إلى الخلاص عن المطالبات١ التي أوردها على نفسه إلا بالتزام أنَّه تعالى موجِب بالذات، لا فاعل بالقصد والاختيار! فأقرَّ على نفسه بالعجز عن أجوبة تلك المطالبات إلا بإنكار قدرة اللَّه ومشيئته وفعله الاختياري، وذلك بجحد ربوبيته. ونحن نذكر كلامه بألفاظه. قال في مباحثه المشرقية:

"الفصل السَّادس في كيفية دخول الشر في القضاء الإلهي. وقبل الخوض فيه لا بدَّ من تقديم مقدمتين:

المقدمة الأولى: الأمور التي يُقال لها٢ إنَّها شر إمَّا أن تكون أمورًا عدمية، أو أمورًا وجودية. فإن كانت أمورًا عدمية فهي على أقسام ثلاثة، لأنَّها إمَّا أن تكون عدمًا لأمور ضرورية للشيء في وجوده مثل عدم الحياة، وإمَّا أن تكون عدمًا لأمور نافعة قريبة من الضرورة كالعمى٣، وإمَّا أن٤ لا تكون كذلك كعدم العلم بالفلسفة والهندسة. وأمَّا الأمور الوجودية التي يُقال إنَّها شرور فهي٥ كالحرارة المفرّقة لاتصال العضو.

واعلم أنَّ الشرَّ بالذات هو عدم ضروريات الشيء وعدم منافعه مثل عدم الحياة وعدم البصر، فإن الموت والعمى لا حقيقة لهما إلا أنَّهما عدم الحياة وعدم البصر، وهما من حيث هما كذلك

  1. (١) "ك": "عن التي". "ط": "من الشبه التي".
  2. (٢) "لها" ساقط من "ك، ط".
  3. (٣) "ك، ط": "كالأعمى"، تحريف.
  4. (٤) "إمَّا" ساقط من "ك"، وفي "ط": "أوأن".
  5. (٥) "ف": "يقال لها شرور وهي"، أخطأ في القراءة.
334

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي