كون الرقبة قابلة للانقطاع، كل ذلك خيرات، ولكنَّ القتل شرٌّ من حيث إنَّه متضمن لزوال الحياة. فثبت بما ذكرنا أنَّ الأمور الوجودية ليست شرورًا١ بالذَّات بل بالعرض٢.
المقدمة الثانية٣: أنَّ الأشياء إمَّا أن تكون مادية، أو لا تكون. فإن لم تكن مادية لم يكن فيها ما بالقوَّة، فلا يكون فيها شر أصلًا. وإن كانت مادية كانت في معرض الشر، وعروض الشر لها إمَّا أن يكون في ابتداء تكونها أو بعد تكونها.
أمَّا الأوَّل فهو٤ أن تكون المادة التي يتكون منه إنسان أو فرس٥ يعرض لها من الأسباب ما يجعلها رديئة المزاج رديئة الشكل والخلقة. فرداءة مزاج ذلك الشخص ورداءة خلقه ليس لأنَّ الفاعل حرَمَ بل لأنَّ المنفعل٦ لم يقبل.
وأمَّا الثاني وهو أن يعرض الشر للشيء بطروء٧ طارئ عليه بعد تكونه، فذلك٨ الطارئ إما شيء يمنع المكمل من الإكمال مثل تراكم
(١) "ب، ك، ط": "شرًّا".
(٢) زاد في "ك، ط": "واللَّه أعلم".
(٣) من هنا إلى آخر كلام الرازي مكتوب في الأصل بخط مغاير ضعيف.
(٤) "ب، ك، ط": "فهو إما".
(٥) "ك، ط": "تتكون إنسانا أو فرسًا".
(٦) "ب، ك، ط": "المنفعل له"، وكذا في المباحث.
(٧) في الأصل: "يعرض الشيء للشيء وطروء" وكذا في غيره، وهو تحريف. والصواب ما أثبتنا من المباحث. وفي "ط": "يعرض الشر" فصحح التحريف الأوَّل.
(٨) في الأصل و"ف": "فكذلك"، تحريف.
السحب وإظلال الجبال الشاهقات إذا صارَ مانعًا من تأثير الشمس في النبات، وإمَّا شيء مفسد مضاد١ مثل البرد الذي يصل الى النبات فيفسد بسبب ذلك استعداده للنشوء والنمو.
وإذا عرفت ذلك فنقول: قد بيّنَّا أنَّ الشرَّ بالحقيقة إمَّا عدم ضروريات الشيء، وإمَّا عدم منافعه. فنقول: الموجود إمَّا أن يكون خيرًا من كل الوجوه، أو شرًّا من كل الوجوه، أو خيرًا من وجه وشرًّا من وجه. وهذا على ثلاثة أقسام٢: فإنَّه إمَّا أن يكون خيره غالبًا على شرِّه، أو يكون شرُّه غالبًا على خيره، أو يتساويا٣ خيره وشره، فهذه أقسامٌ خمسة.
أمَّا الذي يكون خيرًا من كلِّ الوجوه فهو موجود، وأمَّا الذي٤ يكون كذلك لذاته فهو اللَّه ﵎. وأمَّا الذي يكون٥ لغيره فهو العقول والأفلاك، لأنَّ هذه الأمور ما فاتها شيء من ضروريات ذاتها ولا من كمالاتها.
وأمَّا٦ الذي كله شر أو الغالب فيه أوالمساوي فهو غير موجود، لأنَّ كلامنا في الشر٧ بمعنى عدم الضروريات والمنافع، لا بمعنى عدم
(١) "ف، ب، ك": "يفسد وصار"، ويشبهه رسم الأصل، وهو تحريف صوابه ما أثبتنا من المباحث.
(٢) "ك، ط": "تقدير أقسام"، تحريف.
(٣) كذا في الأصل و"ف". وفي "ب، ك": "متساويًا". وفي المباحث: "يتساوى".
(٤) "ط": "وهو موجود أي الذي"، تحريف.
(٥) زاد في "ط" هنا بين حاصرتين: "خيره".
(٦) "أمَّا" ساقطة من "ط".
(٧) في الأصل وغيره: "الشيء"، تحريف صوابه ما أثبتنا من المباحث.