السحب وإظلال الجبال الشاهقات إذا صارَ مانعًا من تأثير الشمس في النبات، وإمَّا شيء مفسد مضاد١ مثل البرد الذي يصل الى النبات فيفسد بسبب ذلك استعداده للنشوء والنمو.
وإذا عرفت ذلك فنقول: قد بيّنَّا أنَّ الشرَّ بالحقيقة إمَّا عدم ضروريات الشيء، وإمَّا عدم منافعه. فنقول: الموجود إمَّا أن يكون خيرًا من كل الوجوه، أو شرًّا من كل الوجوه، أو خيرًا من وجه وشرًّا من وجه. وهذا على ثلاثة أقسام٢: فإنَّه إمَّا أن يكون خيره غالبًا على شرِّه، أو يكون شرُّه غالبًا على خيره، أو يتساويا٣ خيره وشره، فهذه أقسامٌ خمسة.
أمَّا الذي يكون خيرًا من كلِّ الوجوه فهو موجود، وأمَّا الذي٤ يكون كذلك لذاته فهو اللَّه ﵎. وأمَّا الذي يكون٥ لغيره فهو العقول والأفلاك، لأنَّ هذه الأمور ما فاتها شيء من ضروريات ذاتها ولا من كمالاتها.
وأمَّا٦ الذي كله شر أو الغالب فيه أوالمساوي فهو غير موجود، لأنَّ كلامنا في الشر٧ بمعنى عدم الضروريات والمنافع، لا بمعنى عدم
(١) "ف، ب، ك": "يفسد وصار"، ويشبهه رسم الأصل، وهو تحريف صوابه ما أثبتنا من المباحث.
(٢) "ك، ط": "تقدير أقسام"، تحريف.
(٣) كذا في الأصل و"ف". وفي "ب، ك": "متساويًا". وفي المباحث: "يتساوى".
(٤) "ط": "وهو موجود أي الذي"، تحريف.
(٥) زاد في "ط" هنا بين حاصرتين: "خيره".
(٦) "أمَّا" ساقطة من "ط".
(٧) في الأصل وغيره: "الشيء"، تحريف صوابه ما أثبتنا من المباحث.
الكمال الزائد. وإذا عنينا بالشر ذلك١ فلا شكَّ أنَّ ذلك مغلوب والخير غالب. لأنَّ الأمراض وإن كثرت إلا أنَّ الصحة أكثر منها، والحرق٢ والغرق والخسف وإن كانت قد تكثر إلا أنَّ السلامة أكثر منها.
فأمَّا الذي يكون خيره غالبًا٣ على شرِّه، فالأولى فيه أن يكون موجودًا لوجهين:
الأوَّل: أنَّه إن لم يوجد فلا بدَّ وأن يفوت الخير الغالب، وفوت الخير الغالب شر غالب، فإذن في عدمه يكون الشر أغلب من الخير، وفي وجوده يكون الخير أغلب من الشر، ويكون٤ وجود هذا القسم أولى. مثاله: النار في وجودها منافع كثيرة، وأيضًا مفاسد كثيرة مثل إحراق الحيوانات، ولكنَّا إذا قابلنا منافعها٥ بمفاسدها كانت مصالحها أكثر بكثير من مفاسدها، ولو لم توجد لفاتت تلك المصالح، فكانت٦ مفاسد عدمها أكثر من مصالحه٧، فلا جرم وجب إيجادها وخلقها.
الثاني -وهو الذي يكون خيره ممزوجًا بالشر- ليس إلا الأمور التي تحت كرة القمر، ولا شك أنَّها معلولات العلل العالية٨، فلو لم يوجد