طريق الهجرتين

هذا القسم لكان يلزم من عدمها١ عدم عللها الموجبة لها، وهي خيرات محضة، فيلزم من عدمها عدم الخيرات المحضة، وذلك شر محض، فإذن لا بدَّ من وجود هذا القسم.

فإن قيل٢: فَلِمَ لم يخلق الخالق هذه الأشياء عريَّة عن٣ كلِّ الشرور؟ فنقول: لأنَّه لو جعلها كذلك لكان هذا هو القسم الأوَّل، وذلك مما قد فرغ منه.

وبقيَ في العقل قسم آخر وهو الذي يكون خيره غالبًا على شرِّه. وقد بينَّا أنَّ الأولى بهذا القسم أن يكون موجودًا".

قال: "وهذا الجواب لا يعجبني لأنَّ لقائل أن يقول: إنَّ جميع هذه الخيرات والشرور إنَّما توجد باختيار اللَّه تعالى وإرادته، مثلًا الاحتراق٤ الحاصل عقيب النار ليس موجَبًا عن٥ النار، بل اللَّه تعالى اختار خلقه عقيب مماسَّة النار، وإذا كان حصول الاحتراق عقيبَ مماسة النار٦ باختيار اللَّه وإرادته فكان٧ يمكنه أن يختار خلقَ الإحراق عندما يكون خيرًا ولا يختار خلقه عندما يكون شرًّا. ولا خلاص عن هذه المطالبة إلا ببيان كونه ﷾ فاعلًا بالذات، لا بالقصد

  1. (١) "عدمها" سقط من "ط"، فاستدرك في القطرية.
  2. (٢) نقل المؤلِّف كلام الرَّازي من هنا إلى آخره في شفاء العليل (٢٩٠) أيضًا وعقب عليه.
  3. (٣) "ف": "من" خلاف الأصل.
  4. (٤) "ب": "الإحراق".
  5. (٥) "ك، ط": "من".
  6. (٦) "وإذا كان. . " إلى هنا ساقط من "ب".
  7. (٧) "ف، ب": " وكان".
339

والاختيار. ويرجع حاصل١ الكلام في هذه المسألة إلى مسألة القدم والحدوث".

قلتُ: لمَّا لم يكن عند الرَّازي إلا مذهبُ الفلاسفة المشائين القائلين بالموجِب بالذات، أومذهب القدرية المعتزلة٢ القائلين بوجوب رعاية الصلاح أو الأصلح، أو مذهبُ الجبرية نفاة الأسباب والعلل والحِكَم؛ وكان الحقُّ عنده مترددًا بين هذه المذاهب الثلاثة، فتارةً يرجح مذهبَ المتكلمين، وتارةً مذهب المشائين، وتارةً يلقي الحرب بين الطائفتين ويقف في النظارة، وتارةً يتردد بين٣ الطائفتين؛ وانتهى إلى هذا المضيق ورأى أنَّه لا خلاص له منه إلا بالتزام طريقِ الجبرية -وهي غير مرضية٤ عنده، وإن كان في كتبه الكلامية يعتمد عليها ويرجع في مباحثه إليها- أو طريقِ٥ المعتزلة القائلين برعاية الصلاح وهي متناقضة غير مطردة = لم يجد بدًّا من تحيزه إلى أعداءِ الملَّة القائلين بأنَّ اللَّه لا قدرة له ولا مشيئة ولا اختيار ولا فعل يقوم به، ومعلومٌ أنَّ هذه المذاهب بأسرها باطلة متناقضة، وإن كان بعضها أبطل من بعض. وإنَّما ألجأه إلى التزام القول بإنكار الفاعل المختار في هذا المقام تسليمُه لهم الأصول الفاسدة والقواعد الباطلة التي قادت إلى التزام بعض أنواع الباطل.

  1. (١) "حاصل" ساقط من "ط".
  2. (٢) "القائلين بالموجب. . . " إلى هنا ساقط من "ط".
  3. (٣) "هذه المذاهب .. . . " إلى هنا ساقط من "ب".
  4. (٤) "ب": "وهي مرضية"، خطأ.
  5. (٥) "ك، ط": "وطريق".
340

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي