ولو أعطى الدليل حقَّه، وضم ما مع كل طائفة من الحق إلى حق الطائفة الأخرى، وتحيز إلى ما جاءت به الرسل، على علم وبصيرةٍ، وتقريرٍ١ لما جاؤوا به بجميع طرق الحق، لخلص٢ من تلك المطالبات مع إقراره بأنَّ ربَّ العالمين فعَّال لما يريد، يفعل بمشيئته وقدرته وحكمته٣، وأنَّ له المشيئة النَّافذة والحكمة البالغة، وأنَّ تقدير تجريد النَّار عمَّا خُلِقَت عليه من الإحراق، والماءِ عمَّا خلق عليه، والرياح والنفوس البشرية عمَّا هُيِّئت له وخلقت عليه = منافٍ٤ للحكمة المطلوبة المحبوبة للرب سبحانه؛ وأنَّ هذا تقدير لِعَالمٍ آخر غير هذا العالم، وتعطيلٌ للأسباب التي نَصَبَهَا٥ اللَّه مقتضياتٍ لمسبَّباتها، وأنَّ
تلك الأسباب مظهر حكمته وحمده، وموضع تصرفه بخلقه٦ وأمره. فتقديرُ تعطيلها تعطيلٌ للخلق والأمر، وهو أشدُّ منافاةً للحكمة وإبطالًا لها؛ واقتضاءُ هذه الأسباب لمسبباتها كاقتضاء الغايات لأسبابها، فتعطيلُها عنها٧ قدحٌ في الحكمة، وتفويتٌ لمصلحة العالم التي عليها نظامه وبها قوامه.
ولكن الرب سبحانه قد يخرق العائدة٨، ويعطِّلها عن مقتضياتها
(١) "ط": "وهو تقرير"، خطأ.
(٢) "ك": "تخلص"، "ط": "التخلص".
(٣) "ف": "كلمته"، تحريف.
(٤) "ف": "سان" كذا دون نقط، فإنَّه لم يتمكن من قراءة الأصل.
(٥) "سبحانه، وأنَّ هذا. . " إلى هنا سقط من "ط"، فاستدرك في القطرية، ولكن بقي في هذه سقط،. وهو: "غير هذا العالم".
(٦) "ك، ط": "لخلقه".
(٧) "ك، ط": "منها".
(٨) أي العادة كما في "ب، ط".
أحيانًا إذا كان فيه مصلحة راجحة على مفسدة فوات تلك المسببات، كما عطَّل النار التي أُلقيَ فيها إبراهيم وجعلها عليه بردًا وسلامًا عن الإحراق لما في ذلك من المصالح١ العظيمة. وكذلك تعطيلُ الماءِ عن إغراق موسى وقومه وعمَّا خُلِقَ عليه من الإسالة والتقاءِ أجزائه بعضها ببعض = هو لما فيه من المصالح العظيمة والآيات الباهرة والحكمة التَّامة التي ظهرت في الوجود، وترتَّب عليها من مصالح الدنيا والآخرة ما ترتب.
وهكذا -سبحانه- سائر أفعاله٢، مع أنَّه شهد٣ عبادُه بذلك أنَّه هم٤ مسبِّب الأسباب، وأنَّ الأسباب خَلقُه وملكه٥، وأنَّه يملك تعطيلها عن مقتضياتها وآثارها، وأنَّ جعلها٦ كذلك لم يكن من ذاتها وأنفسها، بل هو الذي جعلها كذلك، وأودعَ فيها من القوى والطبائع ما اقتضت به آثارها، وأنَّه إن شاءَ أن يسلبها إيَّاها سلبها، لا كما يقول أعداؤه من الفلاسفة والطبائعيين٧ وزنادقة الأطباءِ إنَّه ليس في الإمكان٨ تجريد هذه الأسباب عن آثارها وموجباتها، ويقولون: