طريق الهجرتين

فهو لغَيبته عن هذا المشهد، وغلبة شهود المعصية والكسب على قلبه، لا يعطي التوحيدَ حقَّه، ولا الاستعانة١ بربِّه والاستغاثة به واللجأ٢ إليه والافتقار والتضرع والابتهال حقَّه، بحيث يشهد سرَّ قوله ﷺ: "أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك من عقوبتك، وأعوذ بك منك"٣. فإنَّه سبحانه ربُّ كل شيء وخالقُ كل شيء، فالمستعاذُ٤ منه واقع بخلقه ومشيئته، ولو شاء لم يكن، فالفرار منه إليه، والاستعاذة منه به، ولا ملجأ منه إلا إليه، ولا مهرب منه إلا إليه، لا إله إلا هو العزيز الحكيم.

وأمَّا الثاني -وهو منكر القضاء والقدر- فمخذول، محجوب عن شهود التوحيد، مصدود عن شهود الحكمة الإلهية، موكول إلى نفسه، ممنوع عن شهود عزَّة الرب تعالى في قضائه وكمال مشيئته ونفوذ٥ حكمه، وعن شهود عجزه هو وفقره، وأنَّه لا توفيق له إلا باللَّه، وأنَّه إن لم يُعِنْه اللَّه فهو مخذول، وإن لم يوفقه ويخلقْ له عزيمة الرشد وفعله فهو عنه ممنوع. فحجابه عن اللَّه غليظ، فإنَّه "لا حجاب أغلظ من الدعوى، ولا طريقَ إلى اللَّه أقرب من دوام الافتقار إليه"٦.

  1. (١) "ط": "الاستعاذة".
  2. (٢) "ب، ك، ط": "الالتجاء".
  3. (٣) سبق تخريجه (٥٧).
  4. (٤) في "ف" وغيرها: "والمستعاذ"، قراءة محتملة.
  5. (٥) "ب": "نفاذ".
  6. (٦) من كلام سهل بن عبد اللَّه التستري. انظر صفة الصفوة (٢/ ٢٣٤)، ومجموع الفتاوى (٧/ ٢٠). وانظر الوابل الصيب (١٢)، والمدارج (١/ ٥١١). وسيأتي مرة أخرى في ص (٣٦٦).
354

المشهد الرَّابع: مشهد التوحيد والأمر١، فيشهد انفرادَ الرب تعالى بالخلق، ونفوذَ مشيئته، وتعلقَ الموجودات٢ بأسرها بها٣، وجريانَ حكمه على الخليقة، وانتهاءها إلى ما سبق٤ في علمه، وجرى به قلمه. ويشهد مع ذلك أمره ونهيه وثوابه وعقابه، وارتباطَ الجزاء بالأعمال واقتضاءها له، ارتباطَ المسبَّبات بأسبابها، التي جُعِلَت أسبابًا مقتضيةَ له٥ شرعًا وقدرًا وحكمة.

فشهودُه توحيدَ الرب تعالى وانفرادَه بالخلقِ ونفوذَ مشيئته وجريانَ قضائه وقدره يفتحُ له بابَ الاستعانة به٦ ودوام الالتجاء إليه والافتقار إليه. وذلك يُدنيه من عتبة العبودية، ويطرحه بالباب فقيرًا عاجزًا مسكينًا، لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا. وشهودُه أمرَه تعالى ونهيَه وثوابَه وعقابَه يُوجبُ له الجِدَّ٧ والتشمير، وبذلَ الوسع، والقيامَ بالأمر، والرجوع علَى نفسه باللّوم والاعتراف بالتقصير. فيكون سيرُه بينَ شهودِ العزَّةِ والحكمة والقدرة الكاملة والعلم السابق والمنَّة العظيمة، وبينَ شهودِ التقصير والإساءةِ منه وتطلّب عيوبِ

  1. (١) سمّى المشهد الرابع في المفتاح: "مشهد أهل العلم والايمان، وهو مشهد القدر والشرع"، ثم سمّى المشهد السادس: "مشهد التوحيد". وانظر المدارج (١/ ٤٩١).
  2. (٢) يحتمل قراءة "الوجودات".
  3. (٣) "بها" يعني: بمشيئته. وفي "ط": "به".
  4. (٤) "ط": "سبق لها".
  5. (٥) كذا في الأصل وغيره، والضمير راجع إلى الجزاء. وفي "ط": "لها".
  6. (٦) "ك، ط": "الاستعاذة ودوام".
  7. (٧) "ك، ط": "الحمد"، تحريف.
355

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي