المحمود المشكور١ الذي له الثناءُ كلُّه، والإحسان كلّه، ومنه النعم كلّها. فلك الحمد كلّه، ولك الثناء كله، ولك الفضل كله، وأنا المذنب المسيء، المعترف بذنبه، المقِرُّ بخطائه٢، كما قال بعض العارفين٣: "العارفُ يسير بين مشاهدة المنَّة من اللَّه، ومطالعة عيب النفس والعمل". فشهودُ المنَّة تُوجبُ٤ له المحبة لربِّه سبحانه وحمدَه والثناء عليه، ومطالعةُ عيب النفس والعمل يوجب استغفارَه ودوامَ توبته وتضرعه واستكانته لربِّه سبحانه.
ثمَّ لمَّا قامَ هذا بقلب الداعي وتوسل إليه بهذه الوسائل قال: "فاغفر لي فإنَّه لا يغفر الذنوب إلا أنت"٥.
فصل٦
ثمَّ أصحاب هذا المشهد فيه قسمان:
أحدهما٧: من يشهد تسلّط٨ عدوه عليه، وقياده٩ إيَّاه بسلسلة
(١) "ب، ت، ط": "والمشكور".
(٢) "ط": "بخطئه".
(٣) هو صاحب منازل السائرين. انظر: المنازل (١١)، والمدارج (١/ ٢٩٦). وقد أورد المصنف قوله في الوابل الصيب (١٠)، وشفاء العليل (٤١) أيضًا.
(٤) كذا في الأصل و"ف". وفي "ك، ط": "يوجب".
(٥) وانظر في تفسير سيد الاستغفار: ما سبق في ص (٢٠٣)، والوابل الصيب (١١)، والمدارج (١/ ٥٢٩٦).
(٦) "فصل" ساقط من "ب، ط".
(٧) وهو المشهد الخامس.
(٨) "ك، ط": "تسليط".
(٩) "ك، ط": "فساده إياه وسلسلة" تحريف.
الهوى، وكبحَه إيَّاه بلجام الشهوة. فهو أسير معه بحيث يسوقه إلى ضرب عنقه، وهو مع ذلك ملتفت إلى ربِّه وناصره ووليه، عالم بأنَّ نجاته في يديه، وأنَّ ناصية عدوه بيده١، وأنَّه لو شاءَ طرده عنه وخلّصه من يديه. فكلَّما قاده عدوه وكبحه بلجامه أكثر الالتفاتَ إلى وليِّه وناصره، والتضرع إليه، والتذلل بين يديه. وكلَّما زاد٢ اغترابُه وبعدُه عن بابه تذكر عطفَه وبره وإحسانه وجوده وكرمه وغناه وقدرته ورأفته ورحمته، فانجذبت دواعي قلبه هاربةً إليه، متراميةً٣ على بابه، منطرحةً على فنائه؛ كعبد قد شُدَّتْ يداه إلى عنقه، وقُدِّمَ لتضرب عنقُه، وقد استسلمٍ للقتل، فنظرَ إلى سيِّده أمامه، وتذكر عطفه ورأفته به، ووجدَ فُرجةً، فوثب إليه منها. فهَبْه٤ طرَحَ نفسه بين يديه، ومدّ له عنقَه، وقال: أنا عبدك ومسكينك، وهذه ناصيتي بين يديك، ولا خلاص لي من هذا العدوّ إلّا بك، وإني مغلوب فانتصر. فهذا مشهد عظيم المنفعة جليل الفائدة تحته من أسرار العبودية ما لا يناله الوصف.
وفوقه مشهد أجلُّ منه وأعظم وأخصّ٥، تجفو٦ عنه العبارة، وإن
(١) في الأصل: "به"، "مكان "بيده"، وكذا في "ف، ك". وكتب فوقه في "ف": "كذا". والمثبت من "ب". وفي "ط": "بين يديه". وقد كتب أوَّلًا في الأصل: "وأنَّ عدوَّه" ثم ضرب على "عدوه" فوصل خط الضرب إلى حرف النون في "أنَّ". ومن ثم حذف "أنَّ" في "ب، ك". وقد تحرف "عدوه" في "ك" إلى "هدوه" فكتب بعضهم فوقه: "بين يديه"، كما في "ط".
(٢) "ك، ط": "أراد"، تحريف.
(٣) "ط": "بتراميه"، تحريف.
(٤) "ب، ك، ط": "وثبة"، ولعله تحريف.
(٥) وهو المشهد السادس.
(٦) "ف": "وهو تجفو"، والظاهر أنَّ "وهو" مضروب عليه في الأصل.