طريق الهجرتين

أشارت١ إليه بعضَ الإشارة. وتقريبه إلى الفهم بضرب مثل يعبر٢ منه إليه، وذلك مثَلُ عبدٍ أخذه سيّده بيده، وقدّمه ليضرب عنقَه بيده، فهو قد أحكم ربطَه، وشدّ عينيه، وقد أيقن العبد أنَّه في قبضته، وأنّه هو قاتله لا غيره. وقد علم مع ذلك برَّه به ولطفه، ورحمته ورأفته، وجوده وكرمه؛ فهو يناشده بأوصافه، ويدخل عليه به، قد ذهب عن وهمه وشهوده كلُّ سبب٣، وانقطع٤ تعلّقه بشيء سواه، فهو معرِض عن عدوه الذي كان سببَ غضب سيّده عليه، قد محا شهودَه من قلبه، فهو مقصورُ النظر إلى سيّده وكونه في قبضته، ناظرٌ إلى ما يصنعه به٥، منتظرٌ منه ما يقتضيه عطفه وبرّه وكرمه.

ومثَلُ الأوّل مثلُ عبدٍ أمسكه عدوّه وهو يخنقه للموت، وذلك العبد يشهد خنقَ٦ عدوّه له، ويستغيث بسيّده، وسيّدُه يغيثه ويرحمه.

ولكنّ ما يحصل للثاني في مشهده ذلك من الأمور العجيبة فوق ما يحصل للأول، وهو بمنزلة من قد أخذه محبوبُه، فهو يخنقه خنقةً، وهو لا يشهد إلَّا خنقه له، فهو يقول: اخنُقْ خنقَك، فأنت تعلم أنّ قلبي يحبّك!

  1. (١) "ك، ط": "الإشارة"، تحريف.
  2. (٢) "ب، ك، ط": "تعبر".
  3. (٣) "ك، ط": "نسب"، تحريف.
  4. (٤) "ط": "فانقطع".
  5. (٥) "به" ساقط من "ب، ك، ط".
  6. (٦) "ب، ك، ط": "دنوّ"، تحريف.
361

وفي هذا المثلِ إشارةٌ وكفاية، ومن غلُظَ حجابُه وكثفت طباعُه لا ينفعه التصريحُ، فضلًا عن ضرب الأمثالِ. واللَّه المستعان، وعليه التكلان، ولا قوَّة إلا باللَّهِ.

فهذه ستَّة مشاهد.

المشهد السابع: مشهد الحكمة، وهو أن يشهد حكمةَ اللَّه في تخليته بينه وبين الذنب، وإقداره عليه، وتهيئة١ أسبابه له، وأنَّه لو شاءَ لعصمه وحالَ بينه وبينه، ولكنَّه خلَّى بينه وبينه لحِكَم عظيمة لا يعلم مجموعها إلا اللَّه٢:

أحدها: أنَّه سبحانه يحب التوابين ويفرح بتوبتهم، فلمحبته للتوبة وفرحه بها قضى على عبده بالذنب، ثمَّ إذا كان ممَّن سبقت له العنايةُ قضى له بالتوبة.

الثاني: تعريف العبد عزَّةَ الرب تعالى٣ في قضائه، ونفوذ مشيئته، وجريان حكمه.

الثالث: تعريفه حاجته إلى حفظه وصيانته، وأنَّه إن لم يحفظه ويصنه

  1. (١) "ط": "تهيئته".
  2. (٢) أشار المصنف في المفتاح (٢/ ٢٥٥) إلى أنَّه ذكر قريبًا من أربعين حكمة في كتابه الفتوحات القدسية، ثمَّ ذكر نحو (٣٤) حكمة. أمَّا هنا فقد ذكر (٣١) حكمة لخصها وفرَّعها مما ذكره في المفتاح (٢/ ٢٥٧ - ٣٠١)، وانظر: المدارج (١/ ٤٨٧).
  3. (٣) من هنا إلى آخر الفصل اعتمدنا على "ف" وغيرها، لأنَّ "الوريقة" التي أضيفت إلى الأصل وكانت مشتملة على هذه الزيادة التي بدأت في الحاشية من قوله: "فهذه ستة. . ." لم توجد في المصورة. ولعلها ضاعت من النسخة الأصلية.
362

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي