طريق الهجرتين

وفي هذا المثلِ إشارةٌ وكفاية، ومن غلُظَ حجابُه وكثفت طباعُه لا ينفعه التصريحُ، فضلًا عن ضرب الأمثالِ. واللَّه المستعان، وعليه التكلان، ولا قوَّة إلا باللَّهِ.

فهذه ستَّة مشاهد.

المشهد السابع: مشهد الحكمة، وهو أن يشهد حكمةَ اللَّه في تخليته بينه وبين الذنب، وإقداره عليه، وتهيئة١ أسبابه له، وأنَّه لو شاءَ لعصمه وحالَ بينه وبينه، ولكنَّه خلَّى بينه وبينه لحِكَم عظيمة لا يعلم مجموعها إلا اللَّه٢:

أحدها: أنَّه سبحانه يحب التوابين ويفرح بتوبتهم، فلمحبته للتوبة وفرحه بها قضى على عبده بالذنب، ثمَّ إذا كان ممَّن سبقت له العنايةُ قضى له بالتوبة.

الثاني: تعريف العبد عزَّةَ الرب تعالى٣ في قضائه، ونفوذ مشيئته، وجريان حكمه.

الثالث: تعريفه حاجته إلى حفظه وصيانته، وأنَّه إن لم يحفظه ويصنه

  1. (١) "ط": "تهيئته".
  2. (٢) أشار المصنف في المفتاح (٢/ ٢٥٥) إلى أنَّه ذكر قريبًا من أربعين حكمة في كتابه الفتوحات القدسية، ثمَّ ذكر نحو (٣٤) حكمة. أمَّا هنا فقد ذكر (٣١) حكمة لخصها وفرَّعها مما ذكره في المفتاح (٢/ ٢٥٧ - ٣٠١)، وانظر: المدارج (١/ ٤٨٧).
  3. (٣) من هنا إلى آخر الفصل اعتمدنا على "ف" وغيرها، لأنَّ "الوريقة" التي أضيفت إلى الأصل وكانت مشتملة على هذه الزيادة التي بدأت في الحاشية من قوله: "فهذه ستة. . ." لم توجد في المصورة. ولعلها ضاعت من النسخة الأصلية.
362

فهو هالك ولا بد، والشياطين قد مدَّت أيديها إليه تمزّقه كلَّ ممزَّق.

الرابع: استجلابه من العبد استغاثته١ به، واستعاذته٢ به من عدوّه وشرّ نفسه، ودعاءه، والتضرع إليه، والابتهال بين يديه.

الخامس: إرادته من عبده تكميلَ مقام الذل والانكسار، فإنَّه متى شهد صلاحه واستقامته شمَخ بأنفه، وظنَّ أنَّه. . . وأنَّه. . .! فإذا ابتلاه بالذنب تصاغرت عنده نفسُه وذلَّت، وتيقن٣ أنَّه. . . وأنَّه. . .!

السادس: تعريفه بحقيقة نفسه، وأنَّها الظالمة٤ الجاهلة، وأنَّ كلَّ ما فيها من علم أو عدلٍ٥ أو خير فمن اللَّه، منَّ به عليه، لا من نفسه.

السابع: تعريفه عبدَه سعةَ حلمه تعالى وكرمَه في ستره عليه، فإنَّه لو شاءَ لعاجله على الذنب، ولهتكه بين عباده، فلم يصفُ له معهم عيش.

الثامن: تعريفه أنَّه لا طريق إلى النجاة إلا بعفوه ومغفرته.

التاسع: تعريفه كرمَه في قبول توبته، ومغفرتَه له على ظلمه وإساءته.

العاشر: إقامة الحجة على عبده، وأنَّه٦ له عليه الحجة البالغة، فإن عذَّبه فبعدله، وببعض حقه عليه، بل اليسير منه.

  1. (١) "ب، ك، ط": "استعانته".
  2. (٢) "ب": "استغاثته".
  3. (٣) "ك، ب، ط": "تيقن وتمنَّى". وانظر نحو هذه العبارة في المفتاح (٢/ ٢٦٨).
  4. (٤) "ط": "الخطالة"، تحريف. وانظر: المفتاح (٢/ ٢٧٠).
  5. (٥) "ط": "عمل"، تحريف.
  6. (٦) "ب، ك، ط": "فإن".
363

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي