العشرون: أنَّه يوجب له التيقظ والحذر من مصايد العدوّ ومكايده، ويُعرِّفه من أين يدخل عليه، وبماذا يحذر منه، كالطبيب الذي ذاقَ المرضَ والدواءَ.
الحادي والعشرون: أنَّ مثلَ هذا ينتفع به المرضى، لمعرفته بأمراضهم ودوائها١.
الثاني والعشرون٢: أنَّه يرفع عنه حجابَ الدعوى، ويفتح له طريقَ الفاقة، فإنَّه لا حجابَ أغلَظ من الدعوى، ولا طريق أقرب من العبودية٣، فإنَّ دوام الفقر إلى اللَّه مع التخليط خير من الصفاءِ مع العجب٤.
الثالث والعشرون: أن يكون٥ في القلب أمراض مُزْمنة لا يشعر بها، فيطلب دواءَها، فيمُنُّ عليه اللطيفُ الخبيرُ، ويقضي عليه بذنب ظاهر، فيجد ألم مرضه، فيحتمي، ويشرب الدواء النافع، فتزول تلك الأمراض التي لم يكن يشعر بها. ومن لم يشعر بهذه اللطيفة فَلِغلظِ٦ حجابه، كما قيل:
الرابع والعشرون: أن٢ يذيقه ألم الحجاب والبعد٣ بارتكاب الذنب، ليكمل له نعمته٤ وفرحه وسروره إذا أقبل بقلبه إليه، وجمَعه عليه٥، وأقامه في طاعته، فيكون التذاذه بذلك٦ -بعد أن صدر منه ما صدر- بمنزلة التذاذ الظمآن٧ بالماءِ العذب الزلال، والشديد الخوف بالأمن، والمحب الطويل الهجر بوصل محبوبه. وإنَّ لطفَ الربِّ تعالى وبرَّه وإحسانه ليبلغ بعبده أكثر من هذا، فيا بؤس من أعرض عن معرفة ربِّه ومحبته!
الخامس والعشرون: امتحان العبد واختباره هل يصلح لعبوديته وولايته أم لا، فإنَّه إذا واقع٨ الذنبَ، سُلِبَ حلاوةَ الطاعة والقرب، ووقع في الوحشة. فإن كان ممن يصلح اشتاقت نفسه إلى لذَّة تلك المعاملة، فحنَّت، وأنَّت، وتضرَّعت، واستغاثت٩ بربِّها، ليردَّها إلى
(١) للمتنبي في ديوانه (٤٩٤) وفيه: "فربّما". وسيأتي مرَّة أخرى في ص (٥٠٨، ٦٠٢). وانظر: المفتاح (٢/ ٢٦٩)، والمدارج (١/ ٣٧٠، ٣٧٥)، والفوائد (٦٧)، والوابل الصيب (٢٥).