الرابع والعشرون: أن٢ يذيقه ألم الحجاب والبعد٣ بارتكاب الذنب، ليكمل له نعمته٤ وفرحه وسروره إذا أقبل بقلبه إليه، وجمَعه عليه٥، وأقامه في طاعته، فيكون التذاذه بذلك٦ -بعد أن صدر منه ما صدر- بمنزلة التذاذ الظمآن٧ بالماءِ العذب الزلال، والشديد الخوف بالأمن، والمحب الطويل الهجر بوصل محبوبه. وإنَّ لطفَ الربِّ تعالى وبرَّه وإحسانه ليبلغ بعبده أكثر من هذا، فيا بؤس من أعرض عن معرفة ربِّه ومحبته!
الخامس والعشرون: امتحان العبد واختباره هل يصلح لعبوديته وولايته أم لا، فإنَّه إذا واقع٨ الذنبَ، سُلِبَ حلاوةَ الطاعة والقرب، ووقع في الوحشة. فإن كان ممن يصلح اشتاقت نفسه إلى لذَّة تلك المعاملة، فحنَّت، وأنَّت، وتضرَّعت، واستغاثت٩ بربِّها، ليردَّها إلى
(١) للمتنبي في ديوانه (٤٩٤) وفيه: "فربّما". وسيأتي مرَّة أخرى في ص (٥٠٨، ٦٠٢). وانظر: المفتاح (٢/ ٢٦٩)، والمدارج (١/ ٣٧٠، ٣٧٥)، والفوائد (٦٧)، والوابل الصيب (٢٥).
ما عوَّدها من بره ولطفه. وإن ركبتْ غيَّها١، واستمرَّ إعراضها، ولم تحِنَّ إلى معهدها٢ الأوَّل ومألفها، ولم تحسّ بضرورتها وفاقتها الشديدة إلى مراجعة قربها من ربها = علم أنَّها لا تصلح للَّه. وقد جاءَ هذا بعينه في أثر إلهي لا أحفظه.
السادس والعشرون: أنَّ الحكمة الإلهية اقتضت تركيبَ الشهوة والغضب في الإنسان، وفي ذلك حِكَمٌ٣ عظيمة لصانعه ﵎. ولا ريبَ أنَّهما داعيان إلى أثريهما وموجَبيهما٤، فلا بُدَّ من ترتب أثر داعي٥ الشهوة والغضب في الإنسان٦، أو بعضها، ولو لم تُخلق٧ فيه هذه الدواعي لم يكن إنسانًا بل ملكًا. فالذنبُ من موجَبات البشرية، كما أنَّ النسيان من موجَباتها، كما قال النبي ﷺ: "كلُّ بَني آدمَ خطَّاءٌ وخيرُ الخطَّائين التوابون"٨، ولا يتم الابتلاء والاختبار إلا بذلك٩.
السابع والعشرون: أن يُنسيه رؤيةَ طاعته، ويشغله برؤية ذنبه، فلا
(١) "ك، ط": "ركنت عنها"، تصحيف.
(٢) "ط": "عهدها".
(٣) "ك": "حكمة".
(٤) "ب، ك": "أثرها وموجبها".
(٥) في حاشية "ك": "دواعي"، ولعله تصحيح من قارئ لما سيأتي من قول المصنف: "أو بعضها"، و"هذه الدواعي".
(٦) "وفي ذلك حكم عظيمة. . ." إلى هنا ساقط من "ط".
(٧) "ك، ط": "يخلق".
(٨) أخرجه أحمد (١٣٠٤٩)، وابن ماجه (٤٢٥١)، والترمذي (٢٤٩٩) من حديث أنس. قال الترمذي: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلَّا من حديث علي بن مسعدة، عن قتادة". (ز).