الخلقُ، ويعاملوه١ بمحض الإحسان، وهو لم يعامل ربَّه بتلك المعاملة؟ وكيف يطمع أن يطيعه مملوكُه وولدُه وزوجتُه في كلِّ ما يريد، وهو مع ربِّه ليس كذلك؟ وهذا يُوجِبُ له٢ أنْ يغفرَ لهمِ، ويسامحهم، ويعفو عنهم، ويغضي عن الاستقصاءِ٣ في طلب حقه قِبَلهم٤.
(١) "ف، ك": "يعاملونه".
(٢) "له" ساقط من "ط".
(٣) "ب": "طلب الاستقصاء"، خطأ.
(٤) هذه آخر الزيادة التي كتبت في "الوريقة" الملحقة بالأصل.
قاعدة [في الإنابة ودرجاتها]
كثيرًا ما يتكرَّر في القرآن ذكر الإنابة والأمر بها كقوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾[الزمر/ ٥٤]، وقوله حكايةً عن شعيب أنَّه قال: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾[هود/ ٨٨]، وقوله: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾[ق/ ٨]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾[الرعد/ ٢٧]، وقوله عن نبيِّه داود: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾[ص/ ٢٤].
فالإنابة١: الرجوع إلى اللَّه، وانصراف دواعي القلب وجواذبه٢ إليه. وهي تتضمَّن المحبَّة والخشية٣، فإنَّ المنيب محب لمن أناب إليه، خاضع له، خاشعٌ ذليلٌ٤.
والناسُ في إناباتهم٥ على درجات متفاوتة: فمنهم المنيب إلى اللَّه بالرجوع إليه من المخالفات والمعاصي. وهذه الإنابة مصدرها: مطالعة الوعيد، والحامل عليها: العلم، والخشية، والحذر.
ومنهم المنيب إليه بالدخول في أنواع العبادات والقربات، فهو ساعٍ فيها بجهده، وقد حُبِّبَ إليه فعلُ الطاعات وأنواع القربات. وهذه الإنابة
(١) "ك، ط": "والإنابة".
(٢) "ب": "حوادثه"، تصحيف.
(٣) "ب": "وهو يتضمن الخشية والمحبة".
(٤) وانظر تفسير الإنابة في مدارج السالكين (١/ ٥١٤).