طريق الهجرتين

بذاتها١ إلى معبودها وإلهها الحق، فهي ملتفتة إلى غيره. ولها إليه إنابةٌ ما بحسب إيمانها به، ومعرفتها له.

فأعلى أنواع الإنابات إنابة الروح بجملتها إليه بشدة٢ المحبة الخالصة المفنية٣ لهم عمَّا سوى محبوبهم ومعبودهم. وحين أنابت إليه أرواحهم لم يتخلف منهم شيءٌ عن الإنابة، فإنَّ الأعضاء كلها رعيتها، وملكها تبع للروح، فلمَّا أنابت الروح بذاتها إليه، إنابةَ محبٍّ صادقِ المحبة ليس فيه عرق ولا مفصل إلا وفيه حبٌّ ساكن لمحبوبه، أنابت جميعُ القوى والجوارح. فأناب القلبُ أيضًا بالمحبة والتضرع والذل والانكسار، وأناب العقلُ بانفعاله لأوامر المحبوب ونواهيه، وتسليمه لها، وتحكميه إيَّاها دون غيرها، فلم يبقَ فيه منازعة شبهة معترضة دونها.

وأنابت النفسُ بالانقياد والانخلاع عن العوائد النفسانية والأخلاق الذميمة والإرادات الفاسدة. وانقادت للأمر٤ خاضعةً له، راغبةً٥ فيه، مؤثرِةً إيَّاه على غيره، فلم يبقَ فيها منازعة شهوة تعترضها دون الأمر. وخرجت عن تدبيرها واختيارها تفويضًا إلى مولاها الحق٦، ورضًى بقضائه، وتسليمًا لحكمه. وقد قيل: إنَّ تدبيرَ العبد لنفسه هو

  1. (١) "بذاتها" سقط من "ف" سهوًا.
  2. (٢) "ك، ط": "لشدة".
  3. (٣) "ك، ط": "المغنية"، تحريف.
  4. (٤) "ط": "لأوامره".
  5. (٥) "ك، ط": "وداعية"، تحريف. "ب": "خاضعة أو راغبة".
  6. (٦) "الحق" ساقط من "ط".
375

آخر الصفات المذمومة في النفس.

وأنابَ الجسدُ بالأعمالِ١ والقيام بها فرضِها٢ وسننها على أكمل الوجوه. وأنابت كل جارحة وعضو إنابتها الخاصَّة٣.

فلم يبقَ من هذا العبد المنيب عرقٌ ولا مفصلٌ إلا وله إنابة ورجوع إلى الحبيب الحق الذي كلُّ محبَّةٍ سوى محبته عذاب على صاحبها، وإن كانت عَذْبَةً٤ في مبادئها، فإنَّها عذاب في عواقبها. فإنابةُ العبد -ولو ساعةً من عمره- هذه الإنابة الخالصة أنفعُ له، وأعظمُ ثمرةً من إنابة سنين كثيرة من غيره. فأين إنابة هذا من إنابة من قبله؟ وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء. بل هذا٥ روحه منيبة أبدًا، وإن توارى عنه شهودُ إنابتها باشتغالٍ، فهي كامنة فيها كمونَ النَّارِ في الزِّناد٦.

وأمَّا أصحابُ الإنابات المتقدمة، فإن أناب أحدهم ساعةً بالدعاءِ والذكر والابتهال، فلنفسه وروحه وقلبه٧ وعقله التفاتٌ عمَّن قد أنابَ إليه. فهو ينيب ببعضه ساعةً، ثمَّ يتركُ ذلك مقبلًا على دواعي نفسه وطبعه.

واللَّه الموفق المعين، لا ربَّ غيره، ولا إله سواه.

  1. (١) "ك، ط": "في الأعمال".
  2. (٢) "ب": "فروضها".
  3. (٣) "ب": "الخاصة بها". وقد سقط من "ك": "فروضها وسننها. . ." إلى "الخاصة".
  4. (٤) "ب": "عِذابًا".
  5. (٥) "ط": "هذه"، خطأ.
  6. (٦) "ف": "الرماد"، تحريف.
  7. (٧) "وقلبه" ساقط من "ف".
376

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي