طريق الهجرتين

قاعدة شريفة [الطريق إلى اللَّه واحد]

الناس قسمان: عِلْية، وسِفْلة، فالعلية من عرف الطريق إلى ربِّه، وسلكها قاصدًا للوصول١ إليه، وهذا هو الكريم على ربِّه. والسفلة من لم يعرف الطريق إلى ربِّه، ولم يتعرفها، فهذا هو اللئيم الذي قال اللَّه تعالى فيه: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج/ ١٨].

والطريق إلى اللَّه في الحقيقة واحد لا تعدُّدَ فيه، وهو صراطه المستقيم الذي نصبه موصلًا لمن سلكه إليه٢، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام/ ١٥٣]. فوحَّد سبيلَه لأنَّه في نفسه واحد لا تعدُّدَ فيه، وجمع السُّبُل المخالفة لأنَّها كثيرة متعدِّدة، كما ثبت عن النبي ﷺ أنَّه٣ خطَّ خطًّا، ثُمَّ قال: "هذا سبيل اللَّه". ثُمَّ خطَّ خطوطًا عن يمينه وعن يساره، ثُمَّ قال: "هذه سُبُل، على كلِّ سبيلٍ منها شيطانٌ يدعو إليه"، ثُمَّ قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام/ ١٥٣]٤.

ومن هذا قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى

  1. (١) "ط": "الوصول".
  2. (٢) "إليه" ساقط من "ط".
  3. (٣) "ب، ك، ط": "ثبت أنَّ النبي ﷺ خط".
  4. (٤) أخرجه أحمد (٤١٤٢)، والنسائي في الكبرى (١١٧٤)، وابن حبان (٦، ٧)، والحاكم (٢/ ٢٣٩) من حديث عبد اللَّه بن مسعود. وأصله عند البخاري (٦٠٥٤، ٦٠٥٥) عن ابن مسعود وأنس دون ذكر الآية. (ز).
383

الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة/ ٢٥٧]. فوحَّد النورَ الذي هو سبيلُه، وجمع الظلمات التي هي سُبُل الشيطان١.

ومن فهم هذا فَهِمَ السرَّ في إفراد النور وجمع الظلمات في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام/ ١]، مع أنَّ فيه سرًّا ألطفَ من هذا، يعرفه من عرف٢ منبع النور كلّه٣، ومن أين فاضَ، وعمَّاذا حصل، وأنَّ أصلَه كله واحد. وأمَّا الظلمات فهي متعددة بتعدُّدِ الحُجُب المقتضية لها، وهي كثيرةٌ جدًّا، لكلِّ حجاب ظلمة خاصَّة. ولا ترجع الظلماتُ إلى النورِ الهادي ﷻ أصلًا، لا وصفًا ولا ذاتًا، ولا اسمًا ولا فعلًا، وإنَّما ترجع إلى مفعولاته سبحانه، فهو جاعلُ الظلمات، ومفعولاتُه٤ متعددة متكثرة، بخلاف النور فإنَّه يرجع إلى اسمه وصفته ﷻ، تعالى أن يكون كمثله شيءٌ، فهو٥ نور السماواتِ والأرضِ.

قال ابن مسعود: "ليس عندَ ربِّكم ليلٌ ولا نهار، نور السماوات والأرضِ من نور وجهه". ذكره الدارمي عنه٦. وفي صحيح مسلم٧ عن أبي ذرٍّ، قلتُ: يا رسول اللَّه هل رأيت ربَّك؟ قال: "نورٌ، أنَّى أراهُ! ".

  1. (١) وانظر: بدائع الفوائد (١/ ٢٠٨).
  2. (٢) "ك، ط": "يعرف".
  3. (٣) "كله": ساقط من "ط".
  4. (٤) "ط": "مفعولاتها".
  5. (٥) "ك، ط": "وهو".
  6. (٦) تقدم في ص (٢٦٢).
  7. (٧) في كتاب الإيمان (١٧٨).
384

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي