طريق الهجرتين

وأقبل على إراداته١ وراحاته وشهواته ولذّاته، وقع في آبار٢ المعاطب، وأودع قلبَه سجونَ المضايق، وعُذِّب في حياته عذابًا لم يعذَّبْه٣ أحدٌ من العالمين. فحياته عجز وغمّ وحزن، وموته كمد٤ وحسرة، ومعاده أسف وندامة. قد فرط عليه أمرُه، وشُتِّت عليه شملُه، وأحضِرتْ٥ نفسُه الغمومَ والأحزان. فلا لذّة الجاهلين، ولا راحة العارفين٦. يستغيث فلا يُغاث، ويشتكي فلا يُشكَى. قد٧ ترحّلت أفراحُه وسروره مدبرةً، وأقبلت آلامُه وأحزانُه وحسراته مقبلةً٨. قد٩ أبدل بأُنسه وحشةً، وبعزّه ذلًّا، وبغناه فقرًا، وبجمعيته تشتّتًا١٠.

وأبعدوه فلم يظفَرْ بقربهِمُوأبدلوه مكانَ الأنسِ إيحاشا١١

ذلك بأنّه عرف طريقه إلى اللَّه، ثمّ تركها ناكبًا عنها مكِبًّا١٢ على

  1. (١) "ك، ط": "إرادته".
  2. (٢) "ب، ك، ط": "آثار"، تصحيف.
  3. (٣) كذا في الأصل و"ف" وهو صواب محض، وفي غيرهما: "لم يعذب به".
  4. (٤) "ك، ط": "كدر"، تحريف.
  5. (٥) "ط": "أحضر".
  6. (٦) "ف": "الغافلين"، خلاف الأصل.
  7. (٧) "ط": "فقد".
  8. (٨) "مقبلة" سقط من "ب، ك، ط". ولعله حذف لأجل الفعل "أقبلت".
  9. (٩) "ط": "فقد".
  10. (١٠) "ط": " تشتيتًا".
  11. (١١) أثبت البيت في "ط" منثورًا. وهو من ثلاثة أبيات ذكرها المؤلف في بدائع الفوائد (٣/ ٨٤٧). وهي من قصيدة في ديوان الحلَّاج (٥٠) مع خلاف في الرواية. وفي "ب": "فكان الأنس"، تحريف.
  12. (١٢) "مكبًّا" ساقط من "ك". وفي "ب": "منكبًّا".
390

وجهه، فأبصر ثمّ عمي، وعرف ثمّ أنكر، وأقبل ثمّ أدبر، ودُعي فما أجاب، وفُتِح له فولّى ظهرَه الباب! قد ترك طريق مولاه، وأقبل بكلّيّته على هواه. فلو نال بعض حظوظه، وتلذّذ براحاته وشهواته١، فهو مقيّد القلب عن انطلاقه في فسيح التوحيد، وميادين الأُنس، ورياض المحبّة، وموائد القرب.

قد انحطّ بسبب إعراضه عن إلهه الحقّ إلى أسفل سافلين، وحصل في عداد الهالكين. فنارُ الحجاب تطّلِع كلّ وقت على فؤاده، وإعراضُ الكون عنه -إذ أعرض ربّه٢ - حائلٌ بينه وبين مراده. قبرٌ٣ يمشي على وجه الأرض، فروحُه٤ في وحشةٍ في جسمه٥، وقلبُه في مَلالٍ٦ من حياته. يتمنّى الموت ويشتهيه، ولو كان فيه ما فيه؛ حتّى إذا جاءَه الموت على تلك الحال -والعياذ باللَّه- فلا تسأل عمّا يحِلّ به من العذاب الأليم بسبب وقوع الحجاب بينه وبين مولاه الحقّ٧، وإحراقه بنار البعد عن قربه والإعراض عنه، وقد حيل بينه وبين سعادته وأمنيّته.

  1. (١) في "ف" وغيرها: "شؤونه"، ولا معنى له في هذا السياق. ثُمَّ رسمه في الأصل: "شووته" بواوين ونقطتي التاء. وكلمة "الشؤون" في الإملاء القديم تكتب بواو واحدة. ولعلَّ الصواب ما أثبتنا استئناسًا باقتران الشهوات بالراحات قبل أسطر.
  2. (٢) كذا في الأصل. وفي حاشية "ف": "عنه" مع علامة لم تتضح في الصورة. وفي غيرهما: "عن ربه".
  3. (٣) تحرف "قبر" في "ك" إلى "فهو". وفي "ط": "فهو قبر".
  4. (٤) "ك، ط": "وروحه".
  5. (٥) "ط": "من جسمه". "ب": "وجسمه".
  6. (٦) "ب، ك": "هلاك"، تحريف.
  7. (٧) "الحق" ساقط من "ب".
391

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي