فلو توهّم العبد المسكين هذه الحالَ، وصوّرَتْها له نفسُه، وأرته إيّاها على حقيقتها، لتقطع واللَّهِ قلبُه، ولم يلتذَّ بطعام ولا شراب؛ ولخرج إلى الصُّعُدات١ يجأَر إلى اللَّه، ويستغيث به، ويستعتبه٢ في زمن الاستعتاب. هذا مع أنَّه إذا آثر شهواته ولذّاته الفانية التي هي كخيال طَيف أو مُزنة صَيف نُغِّصت عليه لذّتُها أحوجَ ما كان إليها، وحيل بينه وبينها أقدرَ ما كان عليها!
وهذا هو غِبّ إعراضه وإيثاره شهوتَه٣ على مرضاة ربّه، فيعوّق٤ القدرُ عليه أسبابَ مراده، فيخسر الأمرين جميعًا. فيكون معذَّبًا في الدنيا بتنغيص شهواته وشدة اهتمامه بطلب ما لم يُقسَم له، وإن قُسِم له منه شيء فحشوه الخوفُ والحزن٥ والنكد والألم. فهمٌّ لا ينقطع، وحسرة لا تنقضي، وحرص لا ينفد، وذلّ لا ينتهي، وطمع لا يُقلِع!
(١) الصعدات: الطرق أو البراري والصحاري وبكليهما فسرت الكلمة في حديث أبي ذر: "ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى اللَّه". أخرجه الترمذي في الزهد (٢٤١٤). انظر: تحفة الأحوذي (٦/ ٤٩٦).
(٢) "ب": "يستعينه".
(٣) "ك، ط": "إيثار شهوته".
(٤) "ط": "يعوق".
(٥) "ك": "الحزن والخوف".
هذا في هذه الدار، وأمَّا في البرزخ فأضعاف أضعاف ذلك! قد حيل بينه وبين ما يشتهي، وفاته ما كان يتمنّاه من قُرب ربه وكرامته ونيل ثوابه، وأحضِرَ جميعَ غمومه وأحزانه. وأمَّا في دار الجزاءِ فسجن أمثاله من المبعودين١ المطرودين. فواغوثاه ثمّ واغوثاه بغياث المستغيثين وأرحم الراحمين!
فمن أعرض عن اللَّه بالكلّية أعرض اللَّهُ عنه بالكلّية. ومن٢ أعرض اللَّه عنه لزمه الشقاءُ والبؤس والبخس في أحواله وأعماله، وقارنه٣ سوءُ الحال وفسادُه في دينه ومآله. فإنّ الربّ تعالى إذا أعرض عن جهة دارت بها النحوس، وأظلمت أرجاؤها، وانكسفت أنوارها، وظهر٤ عليها وحشة الإعراض، وصارت مأوى للشياطين، وهدفًا للشرور، ومصبًّا للبلاءِ.
فالمحروم كلّ المحروم من عرف طريقًا إليه، ثمَّ أعرضَ عنها؛ أو وجد بارقةً من حبه ثمَّ سُلِبَها، لم ينفذ إلى ربِّه منها، خصوصًا إذا مالَ بتلك الإرادة إلى شيءٍ من اللذات، أو انصرفَ٥ بجملته إلى تحصيل الأعراض٦ والشهوات، عاكفًا على ذلك ليله ونهاره وغدوه ورواحه، هابطًا من الأوج الأعلى إلى الحضيض الأدنى.
(١) كذا وردت الكلمة في الأصل وغيره، وهي من الألفاظ الدارجة في زمن المصنف وبعده. والفصيح: "المبعدون".