طريق الهجرتين

فالظالم لنفسه مقصر في الزاد غير آخذٍ منه ما يبلّغه المنزل، لا في قدره ولا في صفته؛ بل مفرِّط في زاده الذي ينبغي له أن يتزوده. ومع ذلك فهو متزوِّد ما يتأذَّى به في طريقه، ويجد غِبَّ أذاه إذا وصلَ المنزل بحسب ما تزود من ذلك المؤذي الضارّ.

والمقتصد اقتصر من الزاد على ما يبلّغه، ولم يشدَّ١ مع ذلك أحمالَ التجارة الرَّابحة، ولم يتزود ما يضره. فهو سالم غانم، لكن فاتته المتاجر الرَّابحة، وأنواع المكاسب الفاخرة.

والسابق بالخيرات همُّه في تحصيل الأرباح، وشدِّ أحمال التجارات، لعلمه بمقدار الربح الحاصل. فيرى خسرانًا أن يدخر شيئًا ممَّا بيده، ولا يتجر فيه٢، فيجدُ ربحَه يوم يغتبط التجار بأرباح تجارتهم. فهو كرجل قد علم أنَّ أمامه بلدةً يكسب الدرهم٣ فيها عشرةً إلى سبعمائه وأكثر، وعنده حاصل، وله خبرة بطريق ذلك البلد، وخبرة بالتجارة، فهو لو أمكنه بيعُ ثيابه وكلّ ما يملك حتَّى يهيئ به تجارةً إلى ذلك البلد لفعل. فهكذا٤ حال السابق بالخيرات بإذن ربِّه٥ يرى خسرانًا بيَّنًا أن يمرَّ عليه وقتٌ في غير متجر.

فنذكر بعون اللَّه وفضله٦ نبذةً من متاجر الأقسام الثلاثة ليعلم العبد

  1. (١) "ف": "فشد"، خلافًا للأصل.
  2. (٢) "ب، ك، ط": "به".
  3. (٣) "ف": "الدرهم يكسب".
  4. (٤) "ف": "فهذا"، خلاف الأصل.
  5. (٥) "ك، ط": "بإذن اللَّه".
  6. (٦) "ب": "بحمد اللَّه وعونه".
405

من أي التجار هو:

فأمَّا الظالم لنفسه فإنَّه إذا استقبل مرحلةَ يومه وليلته استقبلها وقد سبقت حظوظه وشهواته إلى قلبه، فحرَّكت جوارحَه طالبةً لها ساعيةً فيها١. فإذا زاحمتها٢ حقوق ربِّه فتارةً وتارةً: فمرَّةً يأخذ بالرخصة، ومرَّةً بالعزيمة، ومرَّةً يقدم على الذنب وتركِ الحقِّ تهاونًا ووعدًا بالتوبة. فهذا حالُ الظالم لنفسه، مع حفظ التوحيد، والإيمان باللَّه ورسوله واليوم الآخر، والتصديق بالثواب والعقاب. فمرحلة هذا مقطوعة بالربح والخسران، وهو للأغلب٣ منهما. فإذا وردَ القيامةَ مُيِّزَ ربحُه من خسرانه، وحُصِّل ربحُه وحده، وخسرانُه وحده، وكان الحكم للرَّاجح منهما. وحكم اللَّه ﷿ من وراءِ ذلك، لا يعدم عباده٤ منه٥ فضلَه وعدلَه.

فصل٦

وأمَّا المقتصدون: فأدوا وظيفةَ تلك المرحلة، ولم يزيدوا عليها، ولم ينقصوا٧ منها. فلا حصلوا على أرباح التجار، ولا بخسوا الحقَّ الذي عليهم.

  1. (١) "ساعية فيها" ساقط من "ط".
  2. (٢) "ك، ط": "زاحمها".
  3. (٣) "ب، ك": "الأغلب"، وفي حاشية "ك": "لعله للأغلب"، وهو الثابت في الأصل و"ف".
  4. (٤) "عباده" ساقط من "ك، ط".
  5. (٥) "ك": "فيه" تحريف.
  6. (٦) "فصل" ساقط من "ب، ط".
  7. (٧) "ك، ط": "ولا نقصوا".
406

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي