فأمَّا الظالم لنفسه فإنَّه إذا استقبل مرحلةَ يومه وليلته استقبلها وقد سبقت حظوظه وشهواته إلى قلبه، فحرَّكت جوارحَه طالبةً لها ساعيةً فيها١. فإذا زاحمتها٢ حقوق ربِّه فتارةً وتارةً: فمرَّةً يأخذ بالرخصة، ومرَّةً بالعزيمة، ومرَّةً يقدم على الذنب وتركِ الحقِّ تهاونًا ووعدًا بالتوبة. فهذا حالُ الظالم لنفسه، مع حفظ التوحيد، والإيمان باللَّه ورسوله واليوم الآخر، والتصديق بالثواب والعقاب. فمرحلة هذا مقطوعة بالربح والخسران، وهو للأغلب٣ منهما. فإذا وردَ القيامةَ مُيِّزَ ربحُه من خسرانه، وحُصِّل ربحُه وحده، وخسرانُه وحده، وكان الحكم للرَّاجح منهما. وحكم اللَّه ﷿ من وراءِ ذلك، لا يعدم عباده٤ منه٥ فضلَه وعدلَه.
فصل٦
وأمَّا المقتصدون: فأدوا وظيفةَ تلك المرحلة، ولم يزيدوا عليها، ولم ينقصوا٧ منها. فلا حصلوا على أرباح التجار، ولا بخسوا الحقَّ الذي عليهم.
(١) "ساعية فيها" ساقط من "ط".
(٢) "ك، ط": "زاحمها".
(٣) "ب، ك": "الأغلب"، وفي حاشية "ك": "لعله للأغلب"، وهو الثابت في الأصل و"ف".
(٤) "عباده" ساقط من "ك، ط".
(٥) "ك": "فيه" تحريف.
(٦) "فصل" ساقط من "ب، ط".
(٧) "ك، ط": "ولا نقصوا".
فإذا استقبلَ أحدهم مرحلةَ يومه استقبلها بالطهور التامّ والصلاة التامّة في وقتها، بأركانها وواجباتها وشرائطها؛ ثُمَّ ينصرف منها إلى مباحاته ومعيشته وتصرفاته التي أذنَ اللَّه له١ فيها مشتغلًا بها، قائمًا بأعبائها٢، مؤديًا واجبَ الربِّ فيها، غير متفرِّغ لنوافل العبادات وأوراد الأذكارِ والتوجه.
فإذا حضرت الفريضة الأخرى بادر إليها كذلك، فإذا أكملها انصرف إلى حاله الأوَّل، فهو كذلك سائر يومه.
فإذا جاء الليل فكذلك إلى حين النوم، يأخذ٣ مضجعه حتَّى ينشقّ الفجر، فيقوم إلى عَدَّانه٤ ووظيفته.
فإذا جاء الصوم الواجب قام بحقِّه، وكذلك الزكاة الواجبة، والحج الواجب.
وكذلك المعاملة مع الخلق، يقوم فيها بالقسط، لا يظلمهم، ولا يترك حقَّه لهم.
فصل٥
وأمَّا السابقون بالخيرات فهم نوعان: أبرار ومقرَّبون. وهؤلاءِ
(١) "له": ساقط من "ط".
(٢) "ط": "بأعيانها"، تصحيف، وسقط من "ف": "بها قائمًا".
(٣) "ب": "فيأخذ".
(٤) أي إلى عهده. وقد ضبط في "ب" بفتح أوله، ويجوز بكسره، وفي "ك، ط": "غذائه"، تصحيف. وانظر ص (٤٤٦).