المقتصد، فمن تبع أثره من أصحابه حتَّى لحق به. وأمَّا الظالم لنفسه، فمثلي ومثلك". قال: فجعلت نفسها معنا١.
وقال ابن مسعود: "هذه الأمة يوم القيامة أثلاث: ثلث يدخلون الجنَّة بغير حساب، وثلث يحاسَبون حسابًا يسيرًا، ثُمَّ يدخلون الجنَّة، وثلث يجيئون بذنوب عظام، فيقول اللَّه: ما هؤلاء؟ وهو أعلم بهم، فتقول الملائكة: هم مذنبون إلا أنَّهم لم يشركوا، فيقول ﷿: أدخلوهم في سعة رحمتي"٢.
وقال كعب: "تحاكَّتْ٣ مناكبهم وربِّ الكعبة، وتفاضلوا بأعمالهم".
وقال الحسن: "السابق من رجحت حسناته٤، والمقتصد من استوت حسناته وسيئاته، والظالم من خفَّت موازينه"٥.
واحتجت هذه الفرقة بأنَّه سبحانه سمّى الكلَّ "مصطفين"، وأخبر أنَّه
(١) أخرجه الطيالسي في مسنده (١٥٩٢) والحاكم (٢/ ٤٦٢) (٣٥٩٣). قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، فتعقبه الذهبي بقوله: "الصلت، قال النسائي: ليس بثقة، وقال أحمد: ليس بالقوي" (ز).
(٢) تفسير الطبري (٢٢/ ١٣٤).
(٣) كذا في الأصل، وهو الصواب. انظر: زاد المسير (٦/ ٤٩١)، وقرأ ناسخ "ف": "تحاذت"، وهو تحريف. ومثله في "ب، ك، ط". وفي تفسير الطبري (٢٢/ ١٣٤): "تماسّت". وفي المحرر الوجيز (٤/ ٤٣٩): "استوت".
(٤) "ك، ط": "السابقون. . حسناتهم".
(٥) زاد المسير (٦/ ٤٨٩). (ص). أخرجه الطبري (٢٢/ ١٣٥)، والبيهقيُّ في البعث (٧٥، ٧٦) بمعناه، وسنده صحيح. (ز).
اصطفاهم من جملة العباد. ومحال أن يكون الكافر والمشرك من المصطفَين؛ لأنَّ الاصطفاء هو الاختيار، وهو افتعال١ من صفوة الشيء، وهو خياره. فعُلِمَ أنَّ هؤلاء الأصناف الثلاثة صفوة الخلق، وبعضُهم خيرٌ من بعض: فسابقُهم مصطفى عليهم، ثُمَّ مقتصدهم مصطفى على ظالمهم، ثُمَّ ظالمهم مصطفى على الكافر والمشرك.
واحتجت أيضًا بآثار روتها تؤيد ما ذهبت إليه: فمنها ما رواه سليمان٢ الشاذكوني، حدثنا حصين بن نُمير٣، عن ابن أبي ليلى٤، عن أخيه، عن أبيه، عن أسامة بن زيد، عن النبي ﷺ في هذه الآية قال: "كلهم في الجنة"٥.
ومنها ما رواه الطبراني٦، حدَّثنا أحمد بن حمَّاد ابن زُغبة٧، حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا ابن لهيعة، عن أحمد بن حازم
(١) "ط": "الافتعال".
(٢) "ف": "سلمان"، خطأ، وقد سقط من "ب".
(٣) "ف": "نَهْر" كذا مضبوطًا. "ك": "بهر"، "ب، ط": "بهز". والصواب ما أثبتنا من الأصل وكتب الرجال. وهو حصين بن نمير الواسطي أبو محصن الضرير، كوفي الأصل. انظر: تهذيب التهذيب (٢/ ٣٩١).
(٤) "ط": "عن أبي يعلى"، خطأ.
(٥) أخرجه الطبراني في الكبير (٤١٠) والبيهقي في البعث (٦٣، ٦٤). قال الهيثمي في المجمع: "وفيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو سيء الحفظ". (ز).
(٦) لعله في الكبير في القسم المفقود. وسنده ضعيف. فيه ابن لهيعة. وصالح مولى التوأمة لم يسمع من أبي الدرداء. والحديث له طرق أخرى ستأتي. (ز).
(٧) لم يضبط في "ب، ك". وفي "ط": "رعية"، تصحيف. و"زغبة" لقب حمَّاد. انظر ترجمة عيسى بن حماد في تهذيب التهذيب (٨/ ٢٠٩).